فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 41

وهذا ما يجري عليه الواقع العملي أيضًا في الدول الإسلامية، حيث يكتفي الطبيب والمستشفى بأخذ توقيع المرأة الحامل وزوجها برفض إجراء الجراحة الضرورية، مع شهادة شاهدين، خوفًا من المسئولية القانونية المترتبة على إجراء الجراحة مع هذا الرفض [1] .

ولذا فإن الأمر يقتضي تعديل تشريعي، يسمح بإجراء هذه الجراحة بناءً على موافقة النيابة العامة.

بعيدًا عن المسئولية القانونية التي تثيرها بعض التشريعات القانونية، دون غيرها من التشريعات الأخرى التي نصت على حالة الضرورة كمانع من موانع المسئولية الجنائية، وسكتت عن النص القانوني المعالج لحالة الرفض بالجراحة الضرورية.

أقول بعيدًا عن ذلك، فإن الرأي عندي من الناحية الشرعية هو جواز إجراء الجراحة القيصرية الضرورية لإنقاذ حياة الجنين، رغم رفض والديه، وأستند في ذلك إل ما يلي:

1 -ما ذكره الفقهاء بجواز شق بطن الميتة لإخراج الجنين، فقد جاء في الأشباه والنظائر لابن نجيم، بصدد تطبيق قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ومنها [2] "جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد، إذا كانت ترجى حياته، وقد أمر به أبو حنيفة رحمه الله، فعاش الولد، كما في الملتقط، بخلاف ما إذا ابتلع لؤلؤة فمات، فإنه لا يشق بطنه، لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال، وإن سوى الشافعية بينهما في جواز الشق".

وفي معرض بيانه للأفعال التي تشتمل على المصالح والمفاسد، ورجحان المصالح على المفاسد، يقول الإمام العز بن عبدالسلام [3] "وشق بطن المرأة على الجنين المرجو حياته، لأن حفظ حياته أعظم من مفسدة انتهاك حرمة أمه".

فقوله رحمه الله، لأن حفظ حياته ... فيه دليل على ترجيح مصلحة حفظ حياة الجنين، على مفسدة شق بطن أمه، تطبيقًا للقاعدة الشرعية"لو كان أحد الضررين أعظم ضررًا من الآخر، فإن الأشد يزال بالأخف" [4] . والضرر المترتب على عدم شق بطن المرأة، متمثلًا في وفاة الجنين، أعظم من الضرر الذي يلحق بطن أمه بشق بطنها.

وبعبارة أخرى، فإن إجراء شق بطن المرأة دائر بين المصالح والمفاسد، فترجح شق بطن الأم جراحيًا مع ما فيه من انتهاك حرمة جسمها، ولكن في إنقاذ حياة الجنين مصلحة راجحة في مقابل مفسدة شق بطن أمه [5] .

وقد تعرّض ابن حزم تفصيلًا لهذه المسألة، فقال [6] "ولو ماتت امرأة حامل، والولد حيُّ يتحرك قد تجاوز ستة أشهر، فإنه يشق بطنها طولًا ويخرج الولد، لقوله تعالى"ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا" [7] ومن تركه عمدًا حتى يموت، فهو قاتل نفس".

(1) راجع الدكتور حسان شمس باشا، والدكتور محمد علي البار: مسئولية الطبيب بين الفقه والقانون، دار القلم، دمشق، 1425 هـ 2004 م ص 35 - 37.

(2) ص 88.

(3) قواعد الأحكام جـ 1 ص 81.

(4) الأشباه والنظائر: لابن نجيم ص 87.

(5) الدكتور محمد خالد منصور: الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء في الفقه الإسلامي، دار النفائس، عمان، الأردن، 1420 هـ 1999 ص 168.

(6) المحلي جـ 5 مسألة 607 ص 167.

(7) سورة المائدة، جزء من الآية 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت