الغير، ولذلك قال الخرشي [1] ، بشأن مشارطة المريض"وظاهر المذهب أن هذه الفروع كلها من الإجارة".
بينما أجاز فقهاء الشافعية الجعالة على ما ينفع المريض من دواء أو رُقية [2] .
واختلف الحنابلة في مجاعلة الطبيب، فلو قال من داوى لي هذا المريض حتى يبرأ من الجرح أو من الرمد، فله عشرون دينارًا، لم يصح هذا على الصحيح من المذهب لا إجارة ولا جعالة، وقال بعضهم هذه جعالة، وقال بعضهم إنها إجارة لا غير [3] .
ويظهر أثر هذا الخلاف، في مشارطة المريض على الطبيب البرء، حيث يجوز هذا جعالة لا إجارة، لأن الإجارة لابد فيها من مدة أو عمل معلوم، وأما الجعالة فتجوز على عمل مجهول، كرد اللقطة والآبق [4] .
ولهذا جاء في كشاف القناع [5] "... وإن شارطه على البرء فهو جعالة، ولا يستحق شيئًا من أجره حتى يوجد البرء، ذكره في الإنصاف".
بينما لا يصح هذا الشرط عند الحنفية، فقد جاء في البحر الرائق [6] "ولو قال رجل للكحال، داو بشرط أن لا يذهب بصره، فذهب لم يضمن". وفي الدر المختار [7] "ولو شرط على الحجام ونحوه العمل على وجه لا يسرى، لا يصح، لأنه ليس في وسعه، إلا إذا فعل غير المعتاد، فيضمن".
وبصدد عدم صحة شرط البرء على وجه الخصوص، وعدم وجوب الضمان على الطبيب عند عدم حدوثه، جاء في مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان [8] "سئل الحلواني عن صبية سقطت من السطح، فانتفخ رأسها، فقال كثير من الجراحين إن شققتم رأسها تموت، وقال واحد منهم إن لم تشقوه اليوم تموت، وأنا أشقه وأبرئها، فشقه ثم ماتت بعد يوم أو يومين، هل يضمن، فتأمل مليًا، ثم قال: لا يضمن إن كان الشق بإذن وكان معتادًا، ولم يكن فاحشًا خارج الرسم، فقيل له: إنما أذنوا بناءً على أنه علاج مثلها، فقال ذلك لا يوقف عليه، فاعتبر نفس الإذن، قيل له، فلو كان قال هذا الجراح، إن ماتت من هذا الجرح فأنا ضامن، هل يضمن، قال: لا".
والأدنى إلى الصواب، هو تكييف عقد العلاج الطبي بين المريض والطبيب، بأنه عقد إجارة على عمل، وليس جعالة، ولهذا لا يصح اشتراط البرء، لأنه ليس في وسع الطبيب ولا في مقدوره، فهو مكلّف بمقتضى هذا العقد ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، أي أن يبذل أقصى جهده في علاج المريض، أما النتيجة المتمثلة في البرء، فهي على الله سبحانه وتعالى، ولهذا لا ضمان على الطبيب، إذا لم يتحقق البرء، متى التزم بقواعد وآداب مهنة الطب، وهذا ما استقر عليه الفقه القانوني المعاصر.
(1) شرح الخرشي، المطبعة الأميرية الكبرى، مصر جـ 7 ص 61.
(2) مغني المحتاج جـ 2 ص 429.
(3) راجع الإنصاف للمرداوي، الطبعة الأولى 1957 جـ 6 ص 391 - 392، كشاف القناع جـ 4 ص 15 - 16، المغني جـ 6 ص 121.
(4) المغني جـ 6 ص 124.
(5) جـ 4 ص 33.
(6) جـ 8 ص 33.
(7) جـ 5 ص 43.
(8) دار الكتاب الإسلامي، القاهرة ص 48.