ضرورياتهم، وكل ما يتضمن حفظ هذه الضرورات فهو مصلحة، وكل ما يفوتها فهو مفسدة، ودفعها مصلحة [1] .
ولما كان المرض الجراحي المهلك مفوتًا لأصل النفس، فهو مفسدة، والجراحة التي يتم بها علاج ذلك المرض، تكون واجبة لدفع تلك المفسدة، فتعتبر متضمنة للمصلحة الشرعية من هذا الوجه [2] .
ولا يشترط لقيام حالة الضرورة بخوف الموت المهلك، أن يصير المريض إلى الحالة التي يشرف فيها على الموت، ويقل الأمل في شفائه وعلاجه بالجراحة. فقد جاء في قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، لابن جزئَّ [3] "وأما الضرورة فهي خوف الموت، ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت".
ولذلك، فإن المصاب بمرض يؤدي إلى الوفاة، يكون مضطرًا بمجرد الإصابة، متى ظهرت الدلائل والأمارات التي يستنتج منها المرض، وبالتالي تقوم حالة الضرورة في حقه.
وقد جاء في وثيقة الكويت عن الدستور الإسلامي للمهن الطبية"وفي الأحوال التي يكون فيها التدخل الجراحي ضروريًا لإنقاذ حياة، ولا يسمح الوقت بالتأجيل، فالضرورات تبيح المحظورات، وعلى الطبيب أن يتدخل ولا عليه، مهما كانت النتائج، مادام قد أجرى ما توجبه أصول المهنة وبأسلوب سليم، فإن المفسدة في إهدار حياة تجُبٌ المصلحة في ترك المريض لرأيه المهلك، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ..." [4]
كما أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجده، القرار رقم 172 (10/ 18) ، في الدورة الثامنة عشرة بماليزيا، بشأن حالات سقوط الإذن في العمليات الجراحية المستعجلة، وجواز اتخاذ التدابير والإجراءات الطبية اللازمة في الحالات الإسعافية (طب الطوارئ) دون حاجة إلى أخذ موافقة المريض أو وليه في الحالات التالية:
(أ) وصول المريض في حالة إغماء شديد أو في حالة يتعذر الحصول معها على الموافقة قبل التدخل.
(ب) أن المريض في حالة صحية خطرة تعرضه للموت، تتطلب التدخل السريع قبل الحصول على الموافقة.
(جـ) أن لا يوجد مع المريض أي من أقاربه الذين لهم حق الموافقة مع ضيق الوقت.
الجراحة الحاجية هي التي يُقصد منها علاج الأمراض، حيث تكون درجة الخوف على المريض من الموت ومشقة الألم أو خوف الضرر منها غير يسيرة، فهي مشقة وسط بين المشقة الضرورية، والمشقة اليسيرة المقدور عليها دون عناء وتكلفة.
والجراحة الحاجية على نوعين [5] :
(1) المستصفى: للغزالي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، بمصر 1356 هـ جـ 1 ص 287.
(2) الدكتور محمد بن محمد المختار بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، مكتبة الصحابة، جدة 1415 هـ 1994 م ص 135.
(3) دار العلم للملايين، بيروت ص 94.
(4) أبحاث المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي بالكويت ص 693 - 694.
(5) راجع الدكتور محمد الشنقيطي: المرجع السابق ص 140 وما بعدها.