أولًا: الأمراض والحالات الجراحية التي يتضرر المريض بآلامها، سواء أكانت مستمرة أم متقطعة، حيث تنشأ عنها ألام قد تكون مبرحة، وتنغص على المريض حياته، وتمنعه من الراحة أو العمل، أو أداء العبادة على وجهها الصحيح.
ومن أمثلتها: جراحة استئصال اللوزتين في حال التهابهما المزمن، وجراحة استئصال الزائدة الدودية في بداية التهابها، وجراحة قلع الضرس إذا أصابه النخر والألم.
والنوع الثاني، الأمراض والحالات الجراحية التي يخشى من ضررها مستقبلًا، ولا يوجد فيها ألم منغص، بل الألم فيها يسير، مثال ذلك، مرض الجلوكاما المزمنة، الذي يصيب العين، حيث لا يحس المريض المصاب به سوى بآلام صداع خفيف، ولا يزال يسري في العين المصابة إلى أن يؤدي إلى فقد الإبصار بها كلية.
والفرق بين الضرورة والحاجة، أن الضرورة أشد باعثًا من الحاجة، فالضرورة مبنية على فعل ما لابد منه للتخلص من المسئولية، ولا يسع الإنسان الترك، أما الحاجة فمبنية على التوسع والتسهيل، فيما يسع للإنسان تركه [1] .
والنوع الأول من الجراحة الحاجية المتضمنة المشقة الألم الحال، تعتبر في حكم الضرورة، للقاعدة الشرعية التي تقول"إن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة" [2] .
وقد ساوى ابن حزم الظاهري بين الجراحة الضرورية، ومثل لها بقطع يد فيها أكلة، والجراحة الحاجية، ومثل بقلع ضرس وجعة، في القيام بهما دون إذن المريض أو وليه، فقد جاء في المحلي [3] "فمن قطع يدًا فيها آكلة أو قلع ضرسًا وجعة ومتآكلة بغير إذن صاحبها، قال أبو محمد: قال الله تعالى"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" [4] وقال الله تعالى"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" [5] فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى، فينظر إن قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها برؤ ولا توقف وأنها مهلكة ولابد ولا دواء لها إلا القطع فلا شيء على القاطع، وقد أحسن، لأنه دواء، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمداواة، وهكذا القول في الضرس إذا كان شديد الألم قاطعًا به عن صلاته ومصالح أموره، فهذا تعاون على البر والتقوى ... قال عليَّ (أي عليَّ بن أحمد بن سعيد بن حزم) : فمن داوى أخاه المسلم كما أمره الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، فقد أحسن، قال الله تعالى:"ما على المحسنين من سبيل ...." [6] ."
وإذا لم تكن الجراحة ضرورية أو حاجية، لم يجز إجراؤها إلا بإذن المريض أو وليه في جميع الأحوال، وإلا قامت مسئولية الطبيب عن ذلك، مثال ذلك الجراحة التجميلية، وهي جراحة تجري لتحسين شكل جزء من جسم الإنسان الظاهر، إذا ما طرأ عليه نقص أو تلف أو تشوّه [7] .
(1) الدكتور وهبة الزحيلي: المرجع السابق ص 256 - 257.
(2) الأشباه والنظائر: لابن نجيم ص 91، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت 1403 هـ ص 80.
(3) جـ 10 مسألة 2047 ص 444.
(4) سورة المائدة، جزء من الآية 2.
(5) سورة البقرة، جزء من الآية 194.
(6) سورة التوبة، جزء من الآية 91.
(7) راجع مشدد بن حسب الله: الجراحة التجميلية، نظرة إسلامية، جامعة العلوم الإسلامية، بماليزيا، 1426 هـ 2006 م ص 7، وص 85.