فقد نصت المادة 36 من تقنين أخلاقيات مهنة الطب في فرنسا، والصادر بالمرسوم رقم 79/ 506 بتاريخ 28/ 6/1979 م على أنه"عندما يكون المريض في حالة يستطيع فيها التعبير عن إرادته ورفض الخضوع للفحوصات أو العلاج المقترح، فيجب على الطبيب احترام هذا الرفض بعد تبصيره بنتائج هذا الرفض، فإذا كان المريض في حالة لا يستطيع معها التعبير عن إرادته، فإن الطبيب لا يستطيع التدخل، فيما عدا حالة الاستعجال أو الاستحالة، إلا بعد إعلام أقارب المريض وتبصيرهم".
ويلاحظ أن هذا النص قد تناول حالة رفض المريض للعلاج، دون أن يخصها بحالة ما إذا كان العلاج ضروريًا لإنقاذ حياته أم لا.
كما نص إعلان حقوق المريض الذي قدمته الجمعية الطبية الأمريكية في 17 نوفمبر 1972 على أنه"للمريض الحق في رفض العلاج، في الحدود التي يسمح بها القانون، ويتعين تبصيره بالنتائج الطبية لقراره".
والرأي القانوني الغالب مستقر على أنه يجب على الطبيب أن يحترم رفض المريض للعلاج، على ألا يقبل بسهولة مبالغ فيها هذا الرفض، لأن ذلك يعرّضه للحكم عليه بالإهمال الجسيم، لعدم قيامه بمحاولات من أجل حث المريض على الموافقة على العلاج.
يعيب الرأي القائل باحترام رفض المريض للجراحة الضرورية، أنه يترك له حرية إبقاء نفسه من عدمه، مع أن الحق في الحياة في الشريعة الإسلامية، ليس حقًا فرديًا خالصًا، وإنما هو حق مشترك بين الله وبين العبد، مع رجحان حق الله تعالى في بقاء حياة الإنسان وسلامة جسمه، -كما تقدم بيانه [1] -. وهذا بخلاف القانون الوضعي، الذي يغلب الحق الفردي على الحق العام، بصدد الحق في الحياة وسلامة الجسم والعرض، ولذلك يعول كثيرًا في عدم قيام الجريمة، برضاء المجنى عليه بالاعتداء على هذه الحقوق.
ولذا أرى أنه يجوز للطبيب إجراء جراحة استئصال الزائدة الدودية الملتهبة، أو أي جراحة أخرى ضرورية، بعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة، إنقاذًا لحياة المريض من الخطر الذي يهددها، بدلًا من تركه فريسة للموت استنادًا إلى رأيه.
ويستند هذا الرأي الذي نقول به إلى ما يأتي:
أولًا: أن هذا المريض الذي رفض العلاج الضروري لإنقاذ حياته، امتنع عن واجب الإذن به، كما يعتبر معه مانعًا من إنقاذ نفسه، وبالتالي يكون آثمًا، مع أن الشفاء بهذا العلاج مظنون، بينما موته حتف أنفسه بسبب المرض متيقن.
ثانيًا: أنه إذا كان يجوز إرغام شخص على معالجة نفسه، إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك -كما هو الحال في الأمراض المعدية، حتى ولو كان هذه العلاج يلحق به ضررًا، لأن الضرر المترتب على تركه بدون علاج، يلحق ضررًا بالمجتمع، ومعلوم أن دفع ضرر الجماعة مقدم على دفع ضرر الفرد، إعمالًا للقاعدة الشرعية"يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" [2] - فإن المريض العادي لا تأبى روح الشريعة الإسلامية أن يرغمه الحاكم على العلاج، إذا تحقق بذلك غرض صحيح مشروع له ولجماعة المسلمين [3] .
(1) راجع سابقًا بند 10.
(2) الأشباه والنظائر: لابن نجيم ص 87.
(3) الأستاذ عبدالعزيز المراغي: مسئولية الأطباء، مجلة الأزهر، المجلد 20، 1368 هـ ص 213.