المبحث الثاني
اعتبار الفقهاء لإذن المريض بالعمل الطبي
الإذن هو تعبير عن إرادة صادرة من شخص بالغ عاقل، سواء أكان أصيلًا عن نفسه أو ممثلًا لغيره، قادرًا على أن يُكون رأيًا صحيحًا عن موضوع الإذن، بغير إكراه أو غش.
ولهذا يشترط لصحة إذن المريض بالعمل الطبي، أن يكون أهلًا للإذن، بأن يكون بالغًا عاقلًا، ولهذا لا يعتبر إذن الصبي والمجنون والسكران، وإنما يرجع إلى أوليائهم المنصبين للنظر في مصالحهم.
وقد أشار بعض الفقهاء -رحمهم الله- إلى اعتبار أهلية الشخص الآذن بالجراحة، فقد جاء في المغني [1] "وإن قطع طرفًا من إنسان فيه أكلة [2] أو سلعة [3] بإذنه وهو كبير عاقل، فلا ضمان عليه ... وإن كان من قطعت منه صبيًا أو مجنونًا، أو قطعها أجنبي، فعليه القصاص، لأنه لا ولاية له عليه، وإن قطعها وليه وهو الأب أو وصيه أو الحاكم أو أمينه المتولى عليه، فلا ضمان عليه، لأنه قصد مصلحته، وله النظر في مصالحه، فكان فعله مأمورًا به، فلم يضمن ما تلف به، كما لو ختنه فمات".
كما جاء في البحر الرائق [4] "... وذكر في الجامع الصغير، وحجامة العبد بأمر المولى، حتى إذا لم يكن بأمر المولى، يجب الضمان".
ويشترط أن يكون المريض غير محجور عليه، وإلا لا اعتبار لإذنه [5] . وأن تكون دلالة الصيغة على إجازة فعل الجراحة صراحة أو ضمنًا، كالإشارة المفهومة، كأن يهز المريض رأسه، علامة على رضاه، ونحو ذلك من الأفعال الدالة على إذنه بفعل الجراحة.
فقد جاء في البحر الرائق [6] "أمر رجلًا أن يقلع سنه فقلعه ثم اختلفا، فقال أمرتك أن تقلع غيره، وقال الحجام أمرتني بقلع هذا، القول قول الآمر، وفي الخلاصة، ولو قلع ما أمره، ولكن سن آخر متصل بهذا السن سقط، ضمنه، وظاهر عبارة المؤلف، أن الضمان ينتفي بعدم المجاوزة".
ويشترط أن يكون المقصود من الإذن، العلاج، فقد جاء في مغني المحتاج [7] "ولو استأجره لقلع سن وجعة فبرئت انفسخت الإجارة لتعذر القلع، فإن لم تبرأ منه ومنعه من قلعها لم يجبر عليه، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه ومضى مدة إمكان العمل، لكنها تكون غير مستقرة، حتى لو سقطت رد الأجرة"والإذن بالعلاج هو الإذن المشروع وحده، فإن أذن المريض بفعل جراحة محرمة، كتغيير الجنس أو قطع عضو صحيح نافع، لا يصح ولا يعتبر شرعًا، وعليه الإثم، وتوقع عليه وعلى الجراح عقوبة تعزيرية.
(1) جـ 10 ص 349 - 350.
(2) معناها التنقص، والأكل مكان رقيق ظاهره تراه صحيحًا، فإذا عُمل بدا عواره، ويُقال بأسنابه أكلٌ، أي متآكلة. معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، دار الكتب العلمية، إيران جـ 1 باب الهمزة والكاف وما يثلثهما ص 124.
(3) السِلعة بكسر السين غدة بين اللحم والجلد تظهر في البدن، كالجوزة، وتكون في الرأس والبدن، والسَلعة، بفتح السين، الشجة، المغني جـ 10 ص 350.
(4) جـ 8 ص 33.
(5) رد المحتار جـ 5 ص 43.
(6) جـ 8 ص 33.
(7) جـ 2 ص 337.