أعلمت، وأذن المؤذن بالصلاة، أعلم بها، واستأذنته في كذا، طلبت إذنه، فأذن لي فيه، أي أطلق لي فعله [1] .
ويقصد بإذن الشارع، رفع الحرج في الإتيان بالفعل، وهذا هو مقتضى الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، وفي الشرع ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل [2] .
ويقصد بإذن العباد، أن يرخص بعضهم لبعض فيما هو مملوك له رقبة أو منفعة باستهلاكه، أو مجرد الانتفاع به [3] .
من المبادئ المنظمة للتصرفات، مبدأ الحق، وهو شديد الصلة بمبدأ الإذن، وكل من الحق والإذن، إما أن يرجع إلى الشارع (حق الله تعالى، وإذن الشارع) أو إلى الإنسان (حق العبد، وإذن المالك) ، لأن الأصل أن من لا يملك حقًا أو تصرفًا، لا يملك الإذن فيه [4] . والحقوق موضوع مشترك بين المعاملات المالية والأفعال الجنائية.
الإنسان ملك لله عز وجل، وفيه مع ذلك حق للعبد نفسه، فهو مما يجتمع فيه الحقان: حق الله وحق العبد.
فقد قسّم الأصوليون والفقهاء الحقوق باعتبار صاحبها، عدة تقسيمات. [5] وذكروا منها، ما اجتمع فيه الحقان: حق الله وحق العبد، وحق العبد فيه غالب، كالقصاص، لأن الفعل الموجب له هو الجناية العمد على النفس وما دونها، ولله تعالى فيها حق الاستعباد، وللعبد حق الاستمتاع ببقائها، وكانت العقوبة مشتملة على الحقيّن، وإن كان حق العبد راجحًا بلا خلاف.
والمقصود بحق الله، ما يتعلق به النفع العام للعالم، فلا يختص به أحد، وينسب إلى الله سبحانه وتعالى تعظيمًا [6] . أما حق العبد، فالمقصود به ما يتعلق به مصلحة خاصة بفرد أو بعدد من الأفراد، دون شيوعه على المجتمع [7] .
وسبب إذن الشارع للطبيب والجراح بمزاولة عملهما، -بالرغم من أنه يتضمن مساسًا بجسم المريض، وتمتعه بالإباحة في هذا الصدد،-استثناءً من قاعدة منع الأذى والضرر- الفائدة التي تعود على الفرد والمجتمع من قيامهما بواجب المعالجة، ولأنه إذا كان التطبيب واجبًا -عند
(1) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: للرافعي الفيومي، المطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر المحمية، 1324 هـ 1906 جـ 1 مادة أذن ص 15.
(2) الإحكام في أصول الأحكام: للآمدي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1387 هـ 1968 جـ 1 ص 94.
(3) الأستاذ محمد سلام مدكور: نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، دار النهضة العربية 1984 ص 111.
(4) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: للعز بن عبدالسلام، مكتبة الكليات الأزهرية 1414 هـ 1994 جـ 2 ص 183.
(5) راجع في تفصيل ذلك للباحث: حقوق المجني عليه وطرق كفالتها له، دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، رسالة دكتوراه، من كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، جامعة الأزهر الشريف 1414 هـ 1994 م بند 22 ص 14 - 15.
(6) راجع كشف الأسرار: للبخاري على أصول الإمام البزدوي، طبعة مكتب الصنايع 1307 هـ جـ 4 ص 1254 - 1255، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، للقاضي صدر الشريعة عبدالله بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي، مكتبة محمد علي صبيح جـ 2 ص 302 وما بعدها.
(7) إدرار الشروق على أنواء الفروق: لابن الشاط، مطبوع مع الفروق، عالم الكتب، بيروت، جـ 4 ص 140 - 141.