وقد جاء في المغني [1] والشرح الكبير [2] "ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم، وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أُمروا به لم يضمنوا بشرطين: أحدهما: أن يكونوا ذوى خبرة في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان فعلًا محرّمًا، فيضمن سرايته كالقطع ابتداء."
الثاني: أن لا تجني أيديهم فيتجاوزا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا، لأنهم قطعوا قطعًا مأذونًا فيه، فلم يضمنوا سرايته، كقطع الإمام يد السارق، أو فعل فعلًا مباحًا مأذونًا في فعله أشبه ما ذكرنا، فأما إن كان حاذقًا وجنت يده، مثل إن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل قطع، أو يقطع السلعة من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله، لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرّم، فيضمن سرايته كالقطع ابتداء، وكذلك الحكم في البزاغ والقاطع في القصاص وقاطع يد السارق، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، لا نعلم فيه خلافًا"."
تطبيقًا لهذا، لو قطع ختان الحشفة [3] وبرئ المقطوع، تجب عليه دية كاملة، لأنه لما برئ كان عليه ضمان الحشفة، وهي عضو كامل كاللسان، وإن مات فالواجب عليه نصفها، لحصول تلف النفس بفعلين: أحدهما غير مأذون فيه، وهو قطع الحشفة، فيضمن النصف [4] .
من القواعد المقررة في الفقه الإسلامي، أن عمل الطبيب عند الإذن بالعلاج أو طلبه يُعد واجبًا. والواجب لا يتقيد بوصف السلامة، والمباح يتقيد به [5] .
فقد جاء في البحر الرائق [6] "ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد، لأنه التزمه بالعقد، فصار واجبًا عليه، والفعل الواجب لا يجامعه الضمان، كما إذا حد القاضي أو عزر، ومات المضروب بذلك، إلا إذا كان يمكنه التحرز عن ذلك، كدق الثوب، فأمكن تقييده بالسلم".
وجاء في مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، للبغدادي [7] "الفصاد والبزاغ والحجام والختان، لا يضمنون بسراية فعلهم إلى الهلاك، إذا لم يتجاوز الموضع المعتاد الممهور المأذون فيه وهي معروفة، ولو شرط عليهم العمل السليم عن السراية بطل الشرط، إذ ليس في وسعهم ذلك، قال في الفصوليين، هذا إذا فعلوا فعلًا معتادًا ولم يقصروا في ذلك العمل ... أما لو فعلوا بخلاف ذلك ضمنوا".
(1) جـ 6 ص 120 - 121.
(2) جـ 6 ص 124.
(3) أي قطع الحشفة كلها، لأنه يقطع بعضها تجب حكومة عدل، وقد قال الزيلعي في وجوب الدية كاملة بقطع الحشفة كلها، هذا من أعجب المسائل، حيث وجب الأكثر بالبرء، والأقل بالهلاك. رد المحتار جـ 5 ص 43.
(4) الدر المختار جـ 5 ص 43، وفي نفس المعنى مجمع الضمانات ص 47.
(5) الدر المختار جـ 5 ص 363.
(6) جـ 8 ص 33 ..
(7) ص 47.