أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد. [60]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[60] قوله: أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد: أي: أخذ على دعوة الناس إلى التوحيد والإنذار عن الشرك عشر سنين في مكة، وهو يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، والحكمة أن الله بعثه في مكة لأن مكة هي أم القرى التي ترجع إليها القرى، والله جل وعلا يقول: / وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا / [سورة القصص: 59] ، والأم هي المرجع الذي يرجع إليه، الأصل الذي يرجع إليه، هذا هو الأم، قوله تعالى:/ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ / [سورة آل عمران: 7] ، أي: الأصل الذي ترد إليه الآيات المتشابهات.
كذلك مكة شرفها الله، هي الأصل الذي يرجع إليه أهل الأرض، والمسلمون في أقطار الأرض يرجعون إلى مكة، فهي أم القرى بمعنى هي المرجع، ولذلك بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم من مكة لأنها أم القرى، ومكث فيها ثلاث عشرة سنة، ينهى أهل مكة عن الشرك ويأمرهم بالتوحيد؛ لأن أهل مكة هم القدوة لغيرهم، ولهذا يجب أن تبقى مكة إلى قيام الساعة دارا للتوحيد ومنارا للدعوة إلى الله، وأن يبعد عنها كل ما يخالف ذلك، يبعد عنها الشرك والبدع والخرافات؛ لأن الناس ينظرون إليها دائما وأبدا، ما يفعل فيها ينتشر في العالم، فإن كان ما يفعل فيها خيرا انتشر الخير، وإن كان على عكس ذلك انتشر الشر.
فيجب أن تطهر مكة دائما وأبدا، ولهذا يقول جل وعلا: / وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ / [البقرة: 125] ، فيجب أن تطهر مكة من كل ما يخالف الإسلام حتى يصدر منها الدين والدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ لأن الله بعث نبيه فيها، وبدأ دعوته فيها عليه الصلاة والسلام، مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة، منها عشر يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك، ولم يؤمر بشيء غير ذلك، لم يؤمر بصلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج، بل كانت دعوته مقتصرة على التحذير من الشرك والأمر بالتوحيد، يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وهم يقولون: / أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ / [ص: 5] .