بذل الخير للناس وكف الأذى عنهم هو الإحسان للناس: / وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ / [البقرة: 195] ، حتى البهائم يجب أن تحسن إليها بأن تهيئ لها ما تحتاج إليه، وتمنع الأذى عنها، وترفق بها، هذا من الإحسان إلى البهائم، حتى المستحق للقتل لا تعذبه، بل تقتله قتلة حسنة ومريحة، من وجب عليه القصاص، ومن وجب عليه الحد، فإنه ينفذ فيه برفق، لا تمثيل، ولا تعذيب، ولا صبر.
قال صلى الله عليه وسلم: / إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح / [1] في القصاص أو غير ذلك مما يلزم الحد.
فإذ ذبحتم: أي، ذبحتم الحيوانات المأكولة، فأحسنوا الذبحة، / وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته /، فتحسن حتى للبهائم، وقد / غفر الله للبغي من بني إسرائيل بسبب أنها سقت كلبا رأته يلهث من العطش، فسقته فشكر الله لها، فغفر الله لها ذنبها / [2] ، وهو ذنب عظيم، وهو البغاء، أي: الزنى، فغفر الله لها بسبب ذلك؛ لأنها أحسنت إلى هذا البهيم العطشان.
فكيف بغير الكلب؟ إذا أحسنت إلى جائع من المسلمين، أو حتى من بني آدم ولو كان كافرا، إذا أحسنت إليه فإن الله جل وعلا يشكر لك ذلك الإحسان، قال تعالى: / وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ / [البقرة: 195] .
النوع الثالث: وهو إتقان العمل، أي عمل تعمله يجب عليك أن تتقنه، لا ليقال: إن فلانا يحسن كذا، وقد جاء في الحديث: / إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه / [3] .
والدليل من السنة حديث جبريل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال: / بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر /. [48]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[48] قد تقدم الكلام عن الإسلام والإيمان والإحسان، وأركان كل مرتبة، وذكر الشيخ رحمه الله أدلة كل مرتبة من القرآن، وهذا كله تقدم وانتهى، ثم ذكر الشيخ رحمه الله دليل هذه المراتب من السنة، سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث جبريل وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، أتاهم في صورة رجل، وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم سأله عن الساعة، وسأله عن أماراتها، هذا ما يسمى بحديث جبريل أو حديث عمر، وهو حديث ورد من عدة طرق عن جماعة من الصحابة، فهو حديث صحيح، وذكر الشيخ رحمه الله رواية عمر بن الخطاب في هذا الحديث مع اختلاف في ألفاظ الحديث في طرق أخرى، ولكن المعنى واحد.
قال: / بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم /، كان من عادتهم رضي الله عنهم أنهم يجتمعون عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ويتلقون عنه العلم، ويستمعون إلى أجوبته صلى الله عليه وسلم على ما يرده من الأسئلة، فبينما هم كذلك على عادتهم / إذ دخل عليهم رجل من الباب، رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر /، أي: أن جبريل عليه السلام تمثل في صورة هذا الرجل، ولم يأتهم بصورته الملكية؛ لأنهم لا يطيقون النظر إليه في صورته الملكية.
(1) أخرجه مسلم (1955) مِن حديث شداد بِن أوس رضي الله عنه.
(2) انظر ما أخرجه البخاري (3467) ومسلم (2245) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) أخرجه البهقي في"شعب الإيمان"4/ 334 (5313) وَ (5314) مِن حديث عائشة رضي الله عنها.