فالله يقسم بما شاء ولا يقسم إلا بما له أهمية وفيه عبرة، ما هي العبرة في هذا الزمان؟ العبر عظيمة تعاقب الليل والنهار، وتقارضهما، هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا، يطول هذا، ويقصر هذا، تعاقبهما على هذا النظام العجيب الذي لا يتخلف ولا يتغير.
هذا دليل على قدرة الله - سبحانه وتعالى -، ثم ما يجري في هذا الوقت من الحوادث والكوارث ومن المصائب ومن النعم ومن الخيرات، ما يجري في هذا الوقت هذا من العبر، وكذلك فإن الليل والنهار مجال للعمل الصالح قال تعالى: / وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً /أي يتعاقبان يخلف هذا هذا / لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا / [الفرقان: 62] وفي بعض القراءات: / لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ /.
فالليل والنهار كسب عظيم لمن استغلهما في طاعة الله - عز وجل - ومجال العمل هو الليل والنهار، ما عندك غير الليل والنهار، هما مجال العمل والكسب الطيب للدنيا والآخرة، في الليل والنهار عبر وفوائد لذلك أقسم الله بالعصر.
ما هو جواب القسم؟ هو قوله: / إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ / الإنسان جميع بني آدم لم يستثن أحدا لا الملوك ولا الرؤساء، ولا الأغنياء، ولا الفقراء، ولا الأحرار، ولا العبيد، ولا الذكور ولا الإناث. فـ"أل"في الإنسان للاستغراق، كل بني آدم في خسر؛ أي في خسارة وهلاك إذا ضيعوا هذا الوقت الثمين، واستعملوه في معصية الله، وفيما يضرهم.
وهذا الوقت الذي هو رخيص عند كثير من الناس يطول عليهم الوقت يملون ويقولون: نريد قتل الوقت، يأتون بالملهيات، أو يسافرون للخارج لقضاء العطلة والوقت، أو يضحكون ويمزحون لقطع الوقت، فهؤلاء الذين قطعوه وضيعوه سيكون خسارة وندامة عليهم يوم القيامة، وهو مصدر سعادتهم لو حافظوا عليه.
فجميع بني آدم في خسارة وهلاك إلا من اتصف بأربع صفات هي: العلم، والعمل، والدعوة إلى الله، والصبر على الأذى.
فمن اتصف بهذه الصفات الأربع نجى من هذه الخسارة.
ولا يمكن الإيمان بالله إلا بالعلم الذي هو معرفة الله.
/ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ /: أي عملوا الأعمال الصالحة من واجبات ومستحبات، فاستغلوا وقتهم بعمل الصالحات بما يفيدهم في دينهم ودنياهم، حتى العمل للدنيا فيه خير وفيه أجر إذا قصد به الاستعانة على الطاعة، فكيف بالعمل للآخرة، المهم أنك لا تضيع الوقت بل تستعمله في شيء يفيدك وينفعك.
/ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ /: أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ودعوا إلى الله - عز وجل - وعلموا العلم النافع، ونشروا العلم والخير في الناس أصبحوا دعاة إلى الله - عز وجل -.
/ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ /: صبروا على ما ينالهم، والصبر في اللغة: الحبس، والمراد به هنا: حبس النفس على طاعة الله، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: صبر على طاعة الله.
الثاني: صبر عن محارم الله.
الثالث: صبر على أقدار الله.
فالأول: صبر على طاعة الله، لأن النفس تريد الكسل وتريد الراحة، فلا بد أن يصبرها الإنسان على الطاعة وعلى الصلاة وعلى الصيام وعلى الجهاد في سبيل الله وإن كانت تكره هذه الأمور، يصبرها ويحبسها على طاعة الله.
والثاني: صبر على محارم الله، النفس تريد المحرمات والشهوات، تميل إليها وتنزع إليها، فلا بد أن يربطها ويحبسها عن المحرمات، وهذا يحتاج إلى صبر، وليس من السهل منع النفس عن الشهوات المحرمة، من ليس عنده صبر فإن نفسه تتغلب عليه وتجنح إلى المحرمات.