فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 289

وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة الله؛ بل الدليل فيه على أنه ذو الفضل والإحسان والعفو عن أهل الآثام

وإنما نقول: لا يجوز أن يغفر الشرك بعد قوله تعالى (( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) )فأما جواز غفران الله ذلك لولا الخبر في كتابه فهو كان الأولى بفضله والأشبه بإحسانه لأنه لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن.

وقال آخرون:

بل غفر له وإن كان كفرًا من قوله، من أجل أنه قاله على جهل منه بخطئه؛ فظن أن ذلك صواب. قالوا: وغير جائز في عدل الله وحكمته أن يسّوى بين من أخطأ وهو يقصد الصواب، وبين من تعمّد الخطأ والعناد للحق في العقاب.

وقال آخرون:

إنما غفر له، وإن كان كفرًا ممن قصد قوله وهو يعقل ما يقول؛ لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول. وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفرًا بالكفر، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه لخوفه من عذاب الله تعالى وهذا نظير الخبر الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها فيقال له «إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» فيقول للفرح الذي يدخله «يا رب أنت عبدي وأنا ربك مرتين» قالوا فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان كفرًا، وإنما لم يكن منه كفرًا لأنه قاله وقد استخفه الفرح مريدًا به أن يقول: أنت ربى وأنا عبدك، فلم يكن مأخوذًا بما قال من ذلك.

ويشهد لصحة هذا المعنى قوله تعالى (( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) ). [1]

(1) شرح ابن بطال (19/ 252)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت