جوز سبحانه إبطال وصية الجنف والإثم، ويقاس على ذلك عدم جواز الجنف والإثم في الوقف ومصرفه وشروطه.
وقد تحدث بنحو هذا في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) وبين أنه لا يحل لأحد أن يجعل الشرط الباطل المخالف لكتاب الله من شروط الواقفين بمنزلة نص الشارع، وأنه لم يقل بهذا أحد من أئمة الإسلام، وإنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعة وللمكلف مصلحة، قال ابن قدامة -رحمه الله-:"وإذا لم يكن الوقف على معروف أو بر فهو باطل" [1] ،وقال أبو إسحاق الشيرازي [2] :"ولا يصح الوقف إلا على بر ومعروف" [3] .
وقد ذكر ابن القيم في كتاب (إعلام الموقعين) عدة أمثلة لبعض الشروط الباطلة من شروط الواقفين، فإذا شرط الواقف القراءة على القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحب إلى الله ورسوله وأنفع للميت؛ فلا يجوز تعطيل الأحب إلى الله الأنفع لعبده واعتبار ضده، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا بأنه قد يكون قصد الواقف حصول الأجر له باستماعه للقرآن في قبره، وهذا غلط فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته ... [4] إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها.
(1) - المغني [5/ 376] .
(2) - من فقهاء الشافعية وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزبادي الشيرازي، العلامة المناظر، اشتهر بقوة الحجة وكان مرجع الطلاب ومفتي الأمة في عصره، وكان حسن المجالسة، طلق الوجه، ينظم الشعر ولد في فيروزا باد بفارس عام (393 هـ) وانتقل إلى شيراز فقرأ على علمائها، ثم إلى البصرة ثم إلى بغداد وبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية على شاطئ دجلة فدرس فيها وكان يديرها، وتوفي ببغداد عام (476 هـ) انظر: الأعلام للزركلي [1/ 51] .
(3) - المهذب [1/ 441] .
(4) - إعلام الموقعين [4/ 501] باختصار.