وأشار ابن القيم بقوله:"ولو كان رجعيًا كما قاله بعض الناس"إلى وجود الخلاف في هذه المسألة مع أنه قال في موطن آخر:"وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع" [1] ولعله يقصد إجماع جمهور العلماء، أو إجماع متأخر عن أصحاب القول الثاني، فقد نص على تسمية أصحاب القول الآخر، ووجّه قولهم فقال:"وفي تسميته سبحانه الخلع فدية دليل على أن فيه معنى المعاوضة، ولهذا اعتبر فيه رضى الزوجين، فإذا تقايلا الخلع، ورد عليها ما أخذ منها، وارتجعها في العدة، فهل لهما ذلك؟ منعه الأئمة الأربعة وغيرهم [2] ، وقالوا: قد بانت منه بنفس الخلع وذكر عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: في المختلعة إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذ منها في العدة وليشهد على رجعتها. قال معمر: وكان الزهري يقول مثل ذلك [3] . قال قتادة: وكان الحسن يقول لا يراجعها إلا بخطبة [4] . ولقول سعيد بن المسيب والزهري وجه دقيق من الفقه، لطيف المأخذ، تتلقاه قواعد الفقه وأصوله بالقبول ولا نكارة فيه، غير أن العمل على خلافه، فإن المرأة ما دامت في العدة فهي في حبسه ويلحقها صريح طلاقه المنجز عند طائفة من العلماء، فإذا تقايلا عقد الخلع وتراجعا إلى ما كانا عليه بتراضيهما لم تمنع قواعد الشرع ذلك، وهذا بخلاف ما بعد العدة فإنها قد صارت منه أجنبية محضة فهو خاطب من الخطاب، ويدل على"
(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم [5/ 199] .
(2) - انظر: في المذهب الحنفي: المبسوط للسرخسي [6/ 171] . في المذهب المالكي: الكافي لابن عبد البر [1/ 276] ، والاستذكار له [6/ 29] ونفى فيه الخلاف في [6/ 82] . في المذهب الشافعي: الأم، للشافعي [5/ 114] ، وروضة الطالبين للنووي [8/ 214] . المذهب الحنبلي: المغني لابن قدامة [7/ 251 - 252] ، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي [3/ 148] .
(3) - مصنف عبد الرزاق (11797) .
(4) - مصنف عبد الرزاق (11795) .