فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 258

وعلى هذا النحو كان تفسيره للمواضع الأخرى [1] التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) في القرآن الكريم.

ويبدو أنَّ هؤلاء المفسِّرين حين مرُّوا على آيات صيغة (لا أُقْسِمُ) تجاوزوا هذه الصيغة ولم يقفوا عند معناها أو إعرابها، ولم يحاولوا إيجاد علاقة بينها وبين ما قبلها وما بعدها، بل تجاوزوها إلى ما بعدها، وقد يعود ذلك إلى جملة أسباب منها:

كون بعض هذه التفاسير موجزا اقْتُصر في تأليفه على بيان معاني المفردات التي يراها المؤلف غريبةً أو عصيَّةً على القارئ كتفسير مُجاهد وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة.

كون بعضها يفسِّر الآيات بشكل تفصيليّ، كالكشاف وتفسير النسفيّ والدرّ المنثور، إلا أنَّنا نجد أنَّ المفسِّر في عدد من المواضع التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) يتجاوزها ليفسِّر ما بعدها، إمَّا لأنَّه يعتقد أنَّ تفسيره لها في موضع يسبق الموضع الذي لم يفسِّرها فيه يُغنيه عن الإعادة. وإمَّا لإشكال في معنى الصيغة نتيجة الخلاف الواقع فيها فيُؤْثِر تجاوزها وعدم الخوض فيها.

إيمان عدد من المفسرين أنَّ النفي في الصيغة يعني الإثبات، ولذا غضَّ الطرف عن (لا) إلى (أُقْسِمُ) كابْن قيِّم الجوزيَّة عندما فسَّر صيغة (لا أُقْسِمُ) في كلِّ المواضع التي وردت فيها.

والكلُّ في رأيي مقصِّر في عدم إيضاح صيغة (لا أُقْسِمُ) في الآيات الواردة فيها أيًّا كان رأي المفسِّر في هذه الصيغة، فإذا كان بعضهم قد فسَّرها في موضع واحد ثم أغفلها في المواضع الأخرى، بحجَّة أنَّ ذلك الموضع يُغنيه عن الإعادة، أقول: إنَّ كلَّ موضع له تفسير يختلف عن الموضع الآخر لعلاقته بما قبله وبما بعده في سياق الوحدة الموضوعيَّة لكل سورة.

وكان على المفسِّرين عندما رأوا كثرةً في الآراء وتعددًا في المعاني أنْ يَبتُّوا بأحدها، في الأقل، وأنْ يُدَلِّلُوا على ما ذهبوا إليه، لأنَّ مهمتهم البحث عن المعاني والاجتهاد فيها.

وإذا كان المفسر يتجاهل وجود (لا) تماما وكأنَّه لا يرى الصيغة في الآية، فذلك أمرٌ مردودٌ لأنَّه يحجب إشراقات الآية عن ذهن القارئ ويُغْمِض عينيه عن الحقيقة.

(1) ينظر التبيان في أقسام القرآن (137،121 - 122، 92 - 94، 72 - 73، 68 - 69، 22 - 24)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت