فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 258

ومن هنا يمكننا أنْ نفهم قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [1] على أنَّ الواو الواردة بعد صيغة (لا أقسم) في السورة هي واو القسم وليست واو العطف اعتمادا على معنى الآيات لأنَّ قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} نفيٌ للقسم بمكَّة [2] ثم بيانٌ لسبب نفي القسم في الآية الثانية بقوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} فتكتمل إلى هنا صورة نفي القسم ليأتي بعدها قسمٌ غاضبٌ من الله، جلَّ جلاله، وهو قوله تعالى: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} ، وجواب القسم {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} ، إذًا، الواو في هذه الآية واو قسم دلَّنا على ذلك المعنى، فما بعد الواو غير مشترك مع ما قبلها.

أمَّا إذا كان ما بعد الواو مشتركًا مع ما قبلها في المعنى ومتممًا لمشهده، فهذا يدفعنا إلى الحديث عن التخريج الثاني للواوات التي تلي صيغة (لا أُقْسِمُ) وهو:

أنْ تكون الواو الأولى والثانية عاطفتين على صيغة (لا أُقْسِمُ) وذلك كقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِ الْكُنَّسِ*وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ*وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [3] فقوله: {بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} أي الكواكب التي تختفي وتستتر [4] وقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} أي أدبر [5]

{وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي إذا بدأ يظهر ويبين [6] فبداية الصباح وظهور أوَّل شعاع نور يرتبط بشكلٍ مباشرٍ بإدبار الليل، لأنَّ اختفاء الكواكب التي كانت ظاهرةً في الليل, وإدبار الليل سببه تنفُّس الصباح وظهور الضياء. فهذه الآيات الكريمة صورةٌ متكاملةٌ لمشهدٍ واحدٍ, وبذا يتعيَّن علينا القول: إنَّ الواوات التي تلي صيغة (لا أُقْسِمُ) عاطفة.

وكذلك الأمر في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ*وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ*وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ*لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [7] فالآيات الثلاث الأُوَل مرتبطة بعضها ببعض وما بعد الواو مشترك مع ما قبلها فـ (( في الجمع بين الشفق, والليل, والقمر، مراعاة للمناسبة الزمنيَّة الجامعة بينها. فالشفق أوَّل الليل من الأفق الغربي, والقمر أوَّله من الأفق الشرقي،(حيث يكون اتِّساقه وكماله وهو بدر في الليلة الخامسة عشرة) ، فالمُقْسَم به الواقع عليه النفي, هو هذا الظرف من الزمن, وهو ليلة انتصاف الشهر القمري حيث تغرب الشمس, ويطلع القمر، أو

(1) البلد: 1 - 3

(2) في الفصول القادمة بيان وتفصيل كاملان لمعنى صيغة (لا أقسم) ومعنى الآية الكريمة.

(3) التكوير: 15 - 18

(4) ينظر معاني القرآن للفراء (3/ 242) , تفسير البيضاوي (5/ 458) , تفسير الثعالبي (4/ 391)

(5) ينظر معاني القرآن للفراء (3/ 242) , تفسير الطبري (30/ 77 - 78)

(6) تفسير البغوي (4/ 453)

(7) الانشقاق: 16 - 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت