فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 129

يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَتِلْكَ الْفَتْوَى الَّتِي يُفْتِي بِهَا أَحَدُهُمْ لَا تَخْرُجُ عَنْ سِتَّةٍ أَوْجُهٍ , أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا مِمَّنْ سَمِعَهَا مِنْهُ , الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَهَا مِنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَهْمًا خَفِيَ عَلَيْنَا , الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا مَلَؤُهُمْ , وَلَمْ يَنْقُلْ إلَيْنَا إلَّا قَوْلَ الْمُفْتِي بِهَا وَحْدَهُ , الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِكَمَالِ عِلْمِهِ بِاللُّغَةِ وَدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ عَنَّا , أَوْ لِقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ اقْتَرَنَتْ بِالْخِطَابِ , أَوْ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ فَهِمُوهَا عَلَى طُولِ الزَّمَانِ مِنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمُشَاهَدَةِ أَفْعَالِهِ , وَأَحْوَالِهِ وَسِيرَتِهِ وَسَمَاعِ كَلَامِهِ وَالْعِلْمِ بِمَقَاصِدِهِ وَشُهُودِ تَنْزِيلِ الْوَحْيِ وَمُشَاهَدَةِ تَاوِيلِهِ بِالْفِعْلِ , فَيَكُونُ فَهِمَ مَا لَا نَفْهَمُهُ نَحْنُ. وَعَلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ الْخَمْسَةِ تَكُونُ فَتْوَاهُ حُجَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا , السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَ مَا لَمْ يُرِدْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم , وَأَخْطَأَ فِي فَهْمِهِ , وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَا فَهِمَهُ , وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً , وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالِ مِنْ خَمْسَةٍ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ , هَذَا مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ عَاقِلٌ , وَذَلِكَ يُفِيدُ ظَنًّا غَالِبًا قَوِيًّا عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ فِي قَوْلِهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ مِنْ أَقْوَالِ مَنْ بَعْدَهُ , وَلَيْسَ الْمَطْلُوبُ إلَّا الظَّنَّ الْغَالِبَ , وَالْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيِّنٌ , وَيَكْفِي الْعَارِفُ هَذَا الْوَجْهَ.

فَصْلٌ: [مِنْ وُجُوهِ فَضْلِ الصَّحَابَةِ] هَذَا فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ عَنَّا , أَمَّا الْمَدَارِكُ الَّتِي شَارَكْنَاهُمْ فِيهَا مِنْ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَالْأَقْيِسَةِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ قُلُوبًا , وَأَعْمَقَ عِلْمًا , وَأَقَلَّ تَكَلُّفًا , وَأَقْرَبَ إلَى أَنْ يُوَفَّقُوا فِيهَا لِمَا لَمْ نُوَفَّقْ لَهُ نَحْنُ ; لِمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ تَوَقُّدِ الْأَذْهَانِ , وَفَصَاحَةِ اللِّسَانِ , وَسَعَةِ الْعِلْمِ , وَسُهُولَةِ الْأَخْذِ , وَحُسْنِ الْإِدْرَاكِ وَسُرْعَتِهِ , وَقِلَّةِ الْمُعَارِضِ أَوْ عَدَمِهِ , وَحُسْنِ الْقَصْدِ , وَتَقْوَى الرَّبِّ تَعَالَى ; فَالْعَرَبِيَّةُ طَبِيعَتُهُمْ وَسَلِيقَتُهُمْ , وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ مَرْكُوزَةٌ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ , وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى النَّظَرِ فِي الْإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ , وَلَا إلَى النَّظَرِ فِي قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَأَوْضَاعِ الْأُصُولِيِّينَ , بَلْ قَدْ غُنُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , فَلَيْسَ فِي حَقِّهِمْ إلَّا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا , وَقَالَ رَسُولُهُ كَذَا , وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا , وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ , وَأَحْظَى الْأُمَّةِ بِهِمَا , فَقُوَاهُمْ مُتَوَفِّرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ عَلَيْهِمَا , وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَقُوَاهُمْ مُتَفَرِّقَةٌ , وَهِمَمُهُمْ مُتَشَعِّبَةٌ , فَالْعَرَبِيَّةُ وَتَوَابِعُهَا قَدْ أَخَذَتْ مِنْ قُوَى أَذْهَانِهِمْ شُعْبَةً , وَالْأُصُولُ وَقَوَاعِدُهَا قَدْ أَخَذَتْ مِنْهَا شُعْبَةً , وَعِلْمُ الْإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا شُعْبَةً , وَفِكْرُهُمْ فِي كَلَامِ مُصَنِّفِيهِمْ وَشُيُوخِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ , وَمَا أَرَادُوا بِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا شُعْبَةً , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ , فَإِذَا وَصَلُوا إلَى النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ إنْ كَانَ لَهُمْ هِمَمٌ تُسَافِرُ إلَيْهَا وَصَلُوا إلَيْهَا بِقُلُوبٍ وَأَذْهَانٍ قَدْ كَلَّتْ مِنْ السَّيْرِ فِي غَيْرِهَا. وَأَوْهَنَ قُوَاهُمْ مُوَاصَلَةُ السُّرَى فِي سِوَاهَا , فَأَدْرَكُوا مِنْ النُّصُوصِ وَمَعَانِيهَا بِحَسَبِ تِلْكَ الْقُوَّةِ , وَهَذَا أَمْرٌ يَحُسُّ بِهِ النَّاظِرُ فِي مَسْأَلَةٍ إذَا اسْتَعْمَلَ قُوَى ذِهْنِهِ فِي غَيْرِهَا , ثُمَّ صَارَ إلَيْهَا وَافَاهَا بِذِهْنٍ كَالٍّ وَقُوَّةٍ ضَعِيفَةٍ , وَهَذَا شَانُ مَنْ اسْتَفْرَغَ قُوَاهُ فِي الْأَعْمَالِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ تُضْعِفُ قُوَّتَهُ عِنْدَ الْعَمَلِ الْمَشْرُوعِ , كَمَنْ اسْتَفْرَغَ قُوَّتَهُ فِي السَّمَاعِ الشَّيْطَانِيِّ فَإِذَا جَاءَ قِيَامُ اللَّيْلِ قَامَ إلَى وِرْدِهِ بِقُوَّةٍ كَالَّةٍ وَعَزِيمَةٍ بَارِدَةٍ , وَكَذَلِكَ مَنْ صَرَفَ قُوَى حُبِّهِ , وَإِرَادَتِهِ إلَى الصُّوَرِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْجَاهِ , فَإِذَا طَالَبَ قَلْبَهُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ فَإِنْ انْجَذَبَ مَعَهُ انْجَذَبَ بِقُوَّةٍ ضَعِيفَةٍ قَدْ اسْتَفْرَغَهَا فِي مَحَبَّةِ غَيْرِهِ , فَمَنْ اسْتَفْرَغَ قُوَى فِكْرِهِ فِي كَلَامِ النَّاسِ , فَإِذَا جَاءَ إلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ جَاءَ بِفِكْرَةٍ كَالَّةٍ فَأَعْطَى بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , فَاجْتَمَعَتْ قُوَاهُمْ عَلَى تَيْنِك الْمُقَدِّمَتَيْنِ فَقَطْ , هَذَا إلَى مَا خُصُّوا بِهِ مِنْ قُوَى الْأَذْهَانِ وَصَفَائِهَا , وَصِحَّتِهَا وَقُوَّةِ إدْرَاكِهَا , وَكَمَالِهِ , وَكَثْرَةِ الْمُعَاوِنِ , وَقِلَّةِ الصَّارِفِ , وَقُرْبِ الْعَهْدِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ , وَالتَّلَقِّي مِنْ تِلْكَ الْمِشْكَاةِ النَّبَوِيَّةِ , فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَنَا وَحَالَهُمْ فِيمَا تَمَيَّزُوا بِهِ عَلَيْنَا , وَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِيهِ فَكَيْفَ نَكُونُ نَحْنُ أَوْ شُيُوخُنَا أَوْ شُيُوخُهُمْ أَوْ مَنْ قَلَّدْنَاهُ أَسْعَدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت