فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 129

أَوْ تَكَادُ , وَلَا بُدَّ أَنْ تُضْعِفَهُ. وَشَهِدْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ إذَا أَعْيَتْهُ الْمَسَائِلُ وَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ فَرَّ مِنْهَا إلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ , وَالِاسْتِغَاثَةِ بِاَللَّهِ وَاللَّجَأِ إلَيْهِ , وَاسْتِنْزَالِ الصَّوَابِ مِنْ عِنْدِهِ , وَالِاسْتِفْتَاحِ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ , فَقَلَّمَا يَلْبَثُ الْمَدَدُ الْإِلَهِيُّ أَنْ يَتَتَابَعَ عَلَيْهِ مَدًّا , وَتَزْدَلِفُ الْفُتُوحَاتُ الْإِلَهِيَّةُ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ , وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ وُفِّقَ هَذَا الِافْتِقَارَ عِلْمًا وَحَالًا , وَسَارَ قَلْبُهُ فِي مَيَادِينِهِ بِحَقِيقَةٍ وَقَصْدٍ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظُّهُ مِنْ التَّوْفِيقِ , وَمَنْ حُرِمَهُ فَقَدْ مُنِعَ الطَّرِيقَ وَالرَّفِيقَ , فَمَتَى أُعِينَ مَعَ هَذَا الِافْتِقَارِ بِبَذْلِ الْجَهْدِ فِي دَرْكِ الْحَقِّ فَقَدْ سَلَكَ بِهِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ , وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

[لَا يُفْتِي وَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَا يَكُونُ عَالِمًا بِالْحَقِّ فِيهِ] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إذَا نَزَلَتْ بِالْحَاكِمِ أَوْ الْمُفْتِي النَّازِلَةُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَقِّ فِيهَا أَوْ غَالِبًا عَلَى ظَنِّهِ بِحَيْثُ قَدْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ , أَوْ لَا , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْحَقِّ فِيهَا وَلَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ , وَلَا يَقْضِيَ بِمَا لَا يَعْلَمُ , وَمَتَى أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ , وَدَخَلَ تَحْتَ قوله تعالى {: قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فَجَعَلَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ أَعْظَمَ الْمُحَرَّمَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي لَا تُبَاحُ بِحَالٍ ; وَلِهَذَا حَصَرَ التَّحْرِيمَ فِيهَا بِصِيغَةِ الْحَصْرِ. وَدَخَلَ تَحْتَ قوله تعالى {: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وَدَخَلَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَإِنَّمَا إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ} وَكَانَ أَحَدُ الْقُضَاةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ثُلُثَاهُمْ فِي النَّارِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ الْحَقَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا غَالِبًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَقْضِيَ بِغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ , وَهُوَ أَحَدُ الْقُضَاةِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُفْتِينَ الثَّلَاثَةِ وَالشُّهُودِ الثَّلَاثَةِ , وَإِذَا كَانَ مَنْ أَفْتَى أَوْ حَكَمَ أَوْ شَهِدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُرْتَكِبًا لِأَعْظَمِ الْكَبَائِرِ , فَكَيْفَ مَنْ أَفْتَى أَوْ حَكَمَ أَوْ شَهِدَ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ؟. فَالْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي وَالشَّاهِدُ كُلٌّ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ; فَالْحَاكِمُ مُخْبِرٌ مُنَفِّذٌ , وَالْمُفْتِي مُخْبِرٌ غَيْرُ مُنَفِّذٍ , وَالشَّاهِدُ مُخْبِرٌ عَنْ الْحُكْمِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ الْمُطَابِقِ لِلْحُكْمِ الدِّينِيِّ الْأَمْرِيِّ ; فَمَنْ أَخْبَرَ مِنْهُمْ عَمَّا يَعْلَمُ خِلَافَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ عَمْدًا {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسَوَّدَةٌ} , وَلَا أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى دِينِهِ , وَإِنْ أَخْبَرُوا بِمَا لَمْ يَعْلَمُوا فَقَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ جَهْلًا , وَإِنْ أَصَابُوا فِي الْبَاطِنِ , وَأَخْبَرُوا بِمَا لَمْ يَاذَنْ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ. وَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْقَاذِفِ إذَا رَأَى الْفَاحِشَةَ وَحْدَهُ فَأَخْبَرَ بِهَا فَإِنَّهُ كَاذِبٌ عِنْدَ اللَّهِ , وَإِنْ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَاذَنْ لَهُ فِي الْإِخْبَارِ بِهَا إلَّا إذَا كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ , فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا عِنْدَ اللَّهِ فِي خَبَرٍ مُطَابِقٍ لِمَخْبَرِهِ حَيْثُ لَمْ يَاذَنْ لَهُ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِهِ , وَلَمْ يَاذَنْ لَهُ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} , وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جَاءَهُ} وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْذِيبَ بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ , وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} . وَهَذِهِ الْآيَاتُ وَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فِي تَوْحِيدِهِ وَدِينِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ , وَلَا تَتَنَاوَلُ الْمُخْطِئَ الْمَاجُورَ إذَا بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي إصَابَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ , فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ , فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُطِيعَ لِلَّهِ وَإِنْ أَخْطَأَ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت