فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 129

إنْفَاقُهُ وَلَا يَضُرُّهُمْ إخْرَاجُهُ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى {: يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ ظُهُورِ الْهِلَالِ خَفِيًّا ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَزَايَدُ فِيهِ النُّورُ عَلَى التَّدْرِيجِ حَتَّى يَكْمُلَ ثُمَّ يَاخُذُ فِي النُّقْصَانِ , فَأَجَابَهُمْ عَنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ مِنْ ظُهُورِ مَوَاقِيتِ النَّاسِ الَّتِي بِهَا تَمَامُ مَصَالِحِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ وَمَوَاقِيتِ أَكْبَرِ عِبَادَتِهِمْ وَهُوَ الْحَجُّ , وَإِنْ كَانُوا قَدْ سَأَلُوا عَنْ السَّبَبِ فَقَدْ أُجِيبُوا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ , وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا سَأَلُوا عَنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ فَقَدْ أُجِيبُوا عَنْ عَيْنِ مَا سَأَلُوا عَنْهُ , وَلَفْظُ سُؤَالِهِمْ مُحْتَمِلٌ ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَاخُذُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى يَتِمَّ ثُمَّ يَاخُذُ فِي النَّقْصِ؟.

[جَوَابُ الْمُفْتِي بِأَكْثَرَ مِنْ السُّؤَالِ] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُجِيبَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ , وَهُوَ مِنْ كَمَالِ نُصْحِهِ وَعِلْمِهِ وَإِرْشَادِهِ , وَمَنْ عَابَ ذَلِكَ فَلِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَضِيقِ عَطَنِهِ وَضَعْفِ نُصْحِهِ , وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ: بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرِ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ {ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ , وَلَا الْعَمَائِمَ , وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ , وَلَا الْخِفَافَ , إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ} فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ , فَأَجَابَ عَمَّا لَا يَلْبَسُ , وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْجَوَابَ عَمَّا يَلْبَسُ ; فَإِنَّ مَا لَا يَلْبَسُ مَحْصُورٌ , وَمَا يَلْبَسُهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ , فَذَكَرَ لَهُمْ النَّوْعَيْنِ , وَبَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ لُبْسِ الْخُفِّ عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلِ , وَقَدْ سَأَلُوهُ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ , فَقَالَ لَهُمْ {هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ} .

[إذَا مَنَعَ الْمُفْتِي مِنْ مَحْظُورِ دَلَّ عَلَى مُبَاحٍ] الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ فِقْهِ الْمُفْتِي وَنُصْحِهِ إذَا سَأَلَهُ الْمُسْتَفْتِي عَنْ شَيْءٍ فَمَنَعَهُ مِنْهُ , وَكَانَتْ حَاجَتُهُ تَدْعُوهُ إلَيْهِ , أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا هُوَ عِوَضٌ لَهُ مِنْهُ , فَيَسُدُّ عَلَيْهِ بَابَ الْمَحْظُورِ , وَيَفْتَحُ لَهُ بَابَ الْمُبَاحِ , وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِنْ عَالِمٍ نَاصِحٍ مُشْفِقٍ قَدْ تَاجَرَ اللَّهَ وَعَامَلَهُ بِعِلْمِهِ. فَمِثَالُهُ فِي الْعُلَمَاءِ مِثَالُ الطَّبِيبِ الْعَالِمِ النَّاصِحِ فِي الْأَطِبَّاءِ يَحْمِي الْعَلِيلَ عَمَّا يَضُرُّهُ , وَيَصِفُ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ , فَهَذَا شَانُ أَطِبَّاءِ الْأَدْيَانِ وَالْأَبْدَانِ , وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ , وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ} . وَهَذَا شَانُ خُلُقِ الرُّسُلِ وَوَرَثَتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ , وَرَأَيْت شَيْخَنَا قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَتَحَرَّى ذَلِكَ فِي فَتَاوِيهِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ , وَمَنْ تَأَمَّلَ فَتَاوِيَهُ وَجَدَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِيهَا , {وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَالًا أَنْ يَشْتَرِيَ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ الْجَيِّدِ بِصَاعَيْنِ مِنْ الرَّدِيءِ , ثُمَّ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُبَاحِ , فَقَالَ بِعْ الْجَمِيعَ بِالدَّرَاهِمِ , ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا} فَمَنَعَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْمُحَرَّمِ , وَأَرْشَدَهُ إلَى الطَّرِيقِ الْمُبَاحِ. وَلَمَّا سَأَلَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمَا فِي جِبَايَةِ الزَّكَاةِ ; لِيُصِيبَا مَا يَتَزَوَّجَانِ بِهِ مَنَعَهُمَا مِنْ ذَلِكَ , وَأَمَرَ مَحْمِيَةَ بْنَ جزو - وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ - أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَا يَنْكِحَانِ بِهِ , فَمَنَعَهُمَا مِنْ الطَّرِيقِ الْمُحَرَّمِ , وَفَتَحَ لَهُمْ الطَّرِيقَ الْمُبَاحَ , وَهَذَا اقْتِدَاءٌ مِنْهُ بِرَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ يَسْأَلُهُ عَبْدُهُ الْحَاجَةَ فَيَمْنَعُهُ إيَّاهَا , وَيُعْطِيهِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَأَنْفَعُ مِنْهَا , وَهَذَا غَايَةُ الْكَرَمِ وَالْحِكْمَةِ.

[يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُنَبِّهَ السَّائِلَ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُوهِمِ] الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا أَفْتَى الْمُفْتِي لِلسَّائِلِ بِشَيْءٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِرَازِ مِمَّا قَدْ يَذْهَبُ إلَيْهِ الْوَهْمُ مِنْهُ مِنْ خِلَافِ الصَّوَابِ , وَهَذَا بَابٌ لَطِيفٌ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ وَالنُّصْحِ وَالْإِرْشَادِ. وَمِثَالُ هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم {لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ , وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ} فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَتْبَعَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ ; رَفْعًا لِتَوَهُّمِ إهْدَارِ دِمَاءِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانُوا فِي عَهْدِهِمْ ; فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ {لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ} فَرُبَّمَا ذَهَبَ الْوَهْمُ إلَى أَنَّ دِمَاءَهُمْ هَدَرٌ , وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ أَحَدَهُمْ مُسْلِمٌ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ , فَرَفَعَ هَذَا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ وَلَا ذُو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت