[الْوَاجِبُ عَلَى الرَّاوِي وَالْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ [ة] حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَظْهَرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَلْسِنَةٍ: لِسَانِ الرَّاوِي , وَلِسَانِ الْمُفْتِي , وَلِسَانِ الْحَاكِمِ , وَلِسَانِ الشَّاهِدِ ; فَالرَّاوِي يَظْهَرُ عَلَى لِسَانِهِ لَفْظُ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَالْمُفْتِي يَظْهَرُ عَلَى لِسَانِهِ مَعْنَاهُ وَمَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْ لَفْظِهِ , وَالْحَاكِمُ يَظْهَرُ عَلَى لِسَانِهِ الْإِخْبَارُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَتَنْفِيذِهِ , وَالشَّاهِدُ يَظْهَرُ عَلَى لِسَانِهِ الْإِخْبَارُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يُثْبِتُ حُكْمَ الشَّارِعِ. وَالْوَاجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَنْ يُخْبِرُوا بِالصِّدْقِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْعِلْمِ , فَيَكُونُونَ عَالِمِينَ لِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ , صَادِقِينَ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ , وَآفَةُ أَحَدِهِمْ الْكَذِبُ وَالْكِتْمَانُ , فَمَتَى كَتَمَ الْحَقَّ أَوْ كَذَبَ فِيهِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ فِي شَرْعِهِ وَدِينِهِ , وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ سُنَّتَهُ أَنْ يَمْحَقَ عَلَيْهِ بَرَكَةَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَدُنْيَاهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ , كَمَا أَجْرَى عَادَتَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا كَتَمَا وَكَذَبَا أَنْ يَمْحَقَ بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا , وَمَنْ الْتَزَمَ الصِّدْقَ وَالْبَيَانَ مِنْهُمْ فِي مَرْتَبَتِهِ بُورِكَ لَهُ فِي عِلْمِهِ وَوَقْتِهِ وَدِينِهِ وَدُنْيَاهُ , وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا , ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ عَلِيمًا , فَبِالْكِتْمَانِ يَعْزِلُ الْحَقَّ عَنْ سُلْطَانِهِ , وَبِالْكَذِبِ يَقْلِبُهُ عَنْ وَجْهِهِ , وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ , فَجَزَاءُ أَحَدِهِمْ أَنْ يَعْزِلَهُ اللَّهُ عَنْ سُلْطَانِ الْمَهَابَةِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي يُلْبِسُهُ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالْبَيَانِ , وَيُلْبِسُهُ ثَوْبَ الْهَوَانِ وَالْمَقْتِ وَالْخِزْيِ بَيْنَ عِبَادِهِ , فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَازَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ الْكَاذِبِينَ الْكَاتِمِينَ بِطَمْسِ الْوُجُوهِ وَرَدِّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا كَمَا طَمَسُوا وَجْهَ الْحَقِّ وَقَلَبُوهُ عَنْ وَجْهِهِ جَزَاءً وِفَاقًا {وَمَا رَبُّك بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .
[مِنْ أَدَبِ الْمُفْتِي أَلَّا يَنْسِبَ الْحُكْمَ إلَى اللَّهِ إلَّا بِنَصٍّ] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: (لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَنَّهُ أَحَلَّ كَذَا أَوْ حَرَّمَهُ أَوْ أَوْجَبَهُ أَوْ كَرِهَهُ إلَّا لِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ كَذَلِكَ مِمَّا نَصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى إبَاحَتِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ أَوْ إيجَابِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ) . (وَأَمَّا مَا وَجَدَهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي تَلَقَّاهُ عَمَّنْ قَلَّدَهُ دِينَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِهِ) , وَيَغُرَّ النَّاسَ بِذَلِكَ , وَلَا عِلْمَ لَهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: لِيَحْذَرْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: أَحَلَّ اللَّهُ كَذَا , أَوْ حَرَّمَ اللَّهُ كَذَا , فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْت , لَمْ أُحِلَّ كَذَا , وَلَمْ أُحَرِّمْهُ. وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {وَإِذَا حَاصَرْت حِصْنًا فَسَأَلُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا , وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك وَحُكْمِ أَصْحَابِك} . وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ يَقُولُ: حَضَرْت مَجْلِسًا فِيهِ الْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ , فَجَرَتْ حُكُومَةٌ حَكَمَ فِيهَا أَحَدُهُمْ بِقَوْلِ زُفَرَ , فَقُلْت لَهُ: مَا هَذِهِ الْحُكُومَةُ؟ فَقَالَ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ , فَقُلْت لَهُ: صَارَ قَوْلُ زُفَرَ هُوَ حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وَأَلْزَمَ بِهِ الْأُمَّةَ؟ , قُلْ: هَذَا حُكْمُ زُفَرَ , وَلَا تَقُلْ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ , أَوْ نَحْوُ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ.
[حَالُ الْمُفْتِي مَعَ الْمُسْتَفْتِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ] الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْمُفْتِي إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُ السَّائِلِ فِيهَا مَعْرِفَةَ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ إلَّا , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مَعْرِفَةَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الَّذِي شَهَرَ الْمُفْتِي نَفْسَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَتَقْلِيدِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مَعْرِفَةَ مَا تَرَجَّحَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُفْتِي , وَمَا يَعْتَقِدُهُ فِيهَا ; لِاعْتِقَادِهِ عِلْمَهُ وَدِينَهُ وَأَمَانَتَهُ , فَهُوَ يَرْضَى تَقْلِيدَهُ [هُوَ] , وَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِي قَوْلِ إمَامٍ بِعَيْنِهِ ; فَهَذِهِ أَجْنَاسُ الْفُتْيَا الَّتِي تَرِدُ عَلَى الْمُفْتِينَ. فَفَرْضُ الْمُفْتِي فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُجِيبَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إذَا عَرَفَهُ وَتَيَقَّنَهُ , لَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ , وَأَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَإِذَا عَرَفَ قَوْلَ الْإِمَامِ نَفْسِهِ وَسِعَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ , وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ الْقَوْلَ وَيُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ مَا يَرَاهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي حَفِظَهَا أَوْ طَالَعَهَا مِنْ كَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ ; فَإِنَّهُ قَدْ اخْتَلَطَتْ أَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ وَفَتَاوِيهِمْ بِأَقْوَالِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ وَاخْتِيَارَاتهمْ