وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى تَعْلِيمِ الْحِيَلِ , وَفَتْحُ بَابٍ لِدُخُولِ الْمُسْتَفْتِي وَخُرُوجِهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ , الثَّانِي: أَنَّهُ سَبَبٌ لِازْدِحَامِ أَحْكَامِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ عَلَى فَهْمِ الْعَامِّيِّ فَيَضِيعُ مَقْصُودُهُ. وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ ; فَيُكْرَهُ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ , وَلَا يُكْرَهُ - بَلْ يُسْتَحَبُّ - إذَا كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ إيضَاحٍ وَبَيَانٍ وَإِزَالَةُ لَبْسٍ , {وَقَدْ فَصَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي كَثِيرٍ مِنْ أَجْوِبَتِهِ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ كَذَا فَالْأَمْرُ كَذَا , كَقَوْلِهِ فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ: إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ , وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا , وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَهِيَ لَهُ , وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا} : وَهَذَا كَثِيرٌ فِي فَتَاوِيهِ صلى الله عليه وسلم].
[يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ حَذِرًا] ] الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: وَهِيَ مِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ: إنْ رَأَى الْمُفْتِي خِلَالَ السُّطُورِ بَيَاضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الْجَوَابَ فَلْيَحْتَرِزْ مِنْهُ , فَرُبَّمَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ , فَإِمَّا أَنْ يَامُرَ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْوَرَقَةِ , وَإِمَّا أَنْ يَخُطَّ عَلَى الْبَيَاضِ أَوْ يَشْغَلَهُ بِشَيْءٍ , كَمَا يَحْتَرِزُ مِنْهُ كُتَّابُ الْوَثَائِقِ وَالْمَكَاتِيبِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلْيَكُنْ حَذِرًا فَطِنًا , وَلَا يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِكُلِّ أَحَدٍ , وَهَذَا الَّذِي حَمَلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُقَيِّدُ السُّؤَالَ عِنْدَهُ فِي وَرَقَةٍ ثُمَّ يُجِيبُ فِي وَرَقَةِ السَّائِلِ , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ السُّؤَالَ فِي وَرَقَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَكْتُبُ الْجَوَابَ , وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِلَازِمٍ , وَالِاعْتِمَادُ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالْعَادَةِ.
[وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ يَثِقُ بِهِ] الْفَائِدَةُ السِّتُّونَ: إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ , وَلَا يَسْتَقِلَّ بِالْجَوَابِ , ذَهَابًا بِنَفْسِهِ وَارْتِفَاعًا بِهَا , أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى الْفَتَاوَى بِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَهَذَا مِنْ الْجَهْلِ , فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ أَمْرَهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ , وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} وَقَدْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ تَنْزِلُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه , فَيَسْتَشِيرُ لَهَا مَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَرُبَّمَا جَمَعَهُمْ وَشَاوَرَهُمْ , حَتَّى كَانَ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَهُوَ إذْ ذَاكَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا , وَكَانَ يُشَاوِرُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهَ وَجْهَهُ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَغَيْرَهُمْ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ , وَلَا سِيَّمَا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَمْرِينَ أَصْحَابِهِ وَتَعْلِيمَهُمْ , وَشَحْذَ أَذْهَانِهِمْ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ:"بَابُ إلْقَاءِ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ"وَأَوْلَى مَا أَلْقَى عَلَيْهِمْ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا , هَذَا مَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ مِنْ إفْشَاءِ سِرِّ السَّائِلِ أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلْأَذَى , أَوْ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ , فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْتَكِبَ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي عَابِرِ الرُّؤْيَا , فَالْمُفْتِي وَالْمُعَبِّرُ وَالطَّيِّبِ يَطَّلِعُونَ مِنْ أَسْرَارِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ ; فَعَلَيْهِمْ اسْتِعْمَالُ السَّتْرِ فِيمَا لَا يَحْسُنُ إظْهَارُهُ.
[يَجْمُلُ بِالْمُفْتِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ بِالتَّوْفِيقِ] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ: حَقِيقٌ بِالْمُفْتِي أَنْ يُكْثِرَ الدُّعَاءَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ , اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ , إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَكَانَ شَيْخُنَا كَثِيرَ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ , وَكَانَ إذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ يَقُولُ"يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي"وَيُكْثِرُ الِاسْتِعَانَةَ بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه حَيْثُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ عِنْدَ مَوْتِهِ , وَقَدْ رَآهُ يَبْكِي , فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَا كُنْتُ أُصِيبُهَا مِنْكَ , وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أَتَعَلَّمُهُمَا مِنْكَ , فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: إنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا , مَنْ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا , اُطْلُبْ الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ , وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , وَذَكَرَ الرَّابِعَ , فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ هَؤُلَاءِ فَسَائِرُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَنْهُ أَعْجَزُ , فَعَلَيْكَ بِمُعَلِّمِ إبْرَاهِيمَ صلوات الله عليه. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا