فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 129

مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مَعَ الدَّابَّةِ وَالدَّجَّالِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. وَفَسَّرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قوله تعالى {: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} بِأَنَّهَا لِلْبَائِنَةِ وَالرَّجْعِيَّةِ , حَتَّى قَالَ: لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ , مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْبَائِنِ تُخَالِفُ هَذَا التَّفْسِيرَ , وَفَسَّرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قوله تعالى {: وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ , فَقَالَ: تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِخِلَافِهِ. وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ قوله تعالى {: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} بِأَنَّ الصِّفَةَ لِنِسَائِكُمْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ; فَلَا تَحْرُمُ أُمُّ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا , وَالصَّحِيحُ خِلَافُ قَوْلِهِ , وَأَنَّ [أُمَّ] الْمَرْأَةِ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا , وَالصِّفَةُ رَاجِعَةٌ إلَى قَوْلِهِ: {وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ. وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ السِّجِلَّ بِأَنَّهُ كَاتِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُسَمَّى السِّجِلَّ , وَذَلِكَ وَهْمٌ وَإِنَّمَا السِّجِلُّ الصَّحِيفَةُ الْمَكْتُوبَةُ , وَاللَّامُ مِثْلُهَا فِي قوله تعالى {; وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} , وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ أَيْ يَطْوِي السَّمَاءَ كَمَا يَطْوِي السِّجِلَّ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ , وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا , فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؟ قِيلَ: الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِهِ كَالْكَلَامِ فِي فَتْوَاهُ سَوَاءٌ , وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا كَصُورَتِهَا هُنَاكَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ , وَصُورَتُهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ يُخَالِفُهُ , وَيَقُولُ فِي الْآيَةِ قَوْلًا لَا يُخَالِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , سَوَاءٌ عُلِمَ لِاشْتِهَارِهِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ , وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ فَقَدْ فُقِدَ فِيهِ الْأَمْرَانِ , وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ الْفَتَاوَى الَّتِي تُخَالِفُ النَّصَّ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا سَوَاءٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً بِنَفْسِهِ لَمَا أَخْطَأَ , وَلَكَانَ مَعْصُومًا ; لِتَقُومَ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ , فَإِذَا كَانَ يُفْتِي بِالصَّوَابِ تَارَةً وَبِغَيْرِهِ أُخْرَى , وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُهُ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَتْوَى الْمُعَيَّنَةَ وَالتَّفْسِيرَ الْمُعَيَّنَ مِنْ قِسْمِ الصَّوَابِ؟ إذْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ غَيْرُ قَوْلِهِ , وَقَوْلُهُ يَنْقَسِمُ , فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْمُعَيَّنَ مِنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَلَا بُدَّ؟ قِيلَ: الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ الصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ الْوَاقِعَةِ , وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَقُولُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْخَطَأَ الْمَحْضَ وَيُمْسِكَ الْبَاقُونَ عَنْ الصَّوَابِ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ , وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأَمْثَالُهَا قَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا غَيْرُهُمْ بِالصَّوَابِ , وَالْمَحْظُورُ إنَّمَا هُوَ خُلُوُّ عَصْرِهِمْ عَنْ نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ وَاشْتِمَالُهُ عَلَى نَاطِقٍ بِغَيْرِهِ فَقَطْ ; فَهَذَا هُوَ الْمُحَالُ. وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِكُمْ: لَوْ كَانَ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ حُجَّةً لَمَا جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ , فَإِنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِهِ حُجَّةً , بَلْ بِمَا انْضَافَ إلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْقَرَائِنِ.

[مَنْزِلَةُ قَوْلِ التَّابِعِيِّ وَتَفْسِيرِهِ] فَإِنْ قِيلَ: فَبَعْضُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّابِعِيَّ إذَا قَالَ قَوْلًا وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ وَلَا تَابِعِيٌّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حُجَّةً. فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّابِعِينَ انْتَشَرُوا انْتِشَارًا لَا يَنْضَبِطُ لِكَثْرَتِهِمْ , وَانْتَشَرَتْ الْمَسَائِلُ فِي عَصْرِهِمْ ; فَلَا يَكَادُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ الْمُخَالِفِ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ , فَإِنْ فَرَضَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَجِبُ اتِّبَاعُ التَّابِعِيِّ فِيمَا أَفْتَى بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ صَحَابِيٌّ وَلَا تَابِعِيٌّ , وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ بِأَنَّهُ قَالَهُ تَقْلِيدًا لِعَطَاءٍ , وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ رضي الله عنه , فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ قَوْلِ عَطَاءٍ , فَكَانَ قَوْلُهُ عِنْدَهُ أَقْوَى مَا وَجَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ , وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ , وَالْأَكْثَرُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ , وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفُرُوقِ , عَلَى أَنَّ فِي الِاحْتِجَاجِ بِتَفْسِيرِ التَّابِعِيِّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ , وَمَنْ تَأَمَّلَ كُتُبَ الْأَئِمَّةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَجَدَهَا مَشْحُونَةً بِالِاحْتِجَاجِ بِتَفْسِيرِ التَّابِعِيِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت