وَعُورِضَ بِحَدِيثِ: {أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ} . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا , فَإِنَّ الْأَوَّلَ: يَقْتَضِي أَنْ يُقْتَدَى بِالْخُلَفَاءِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: الْأَمْرُ لِلْمُقَلِّدِ بِالتَّخْيِيرِ , وَاعْتِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ , وَالصَّحَابَةِ , فَلَا يُعَارِضُهُ. سَلَّمْنَا الْمُعَارَضَةَ , لَكِنَّ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ , وَالثَّانِيَ ضَعِيفٌ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ"أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ أَرَادُوا التَّرْجِيحَ لِقَوْلِهِمْ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ , لِفَضْلِ سَبْقِهِمْ وَتَعَدُّدِهِمْ , وَطُولِ صُحْبَتِهِمْ , وَعِنْدَنَا أَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ. فَائِدَةٌ [عُقُودُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَحِمَاهُمْ] إذَا عَقَدَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَقْدًا , أَوْ حَمَوْا حِمًى لَزِمَ , وَلَا يُنْتَقَضُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ فِي"الرَّوْنَقِ", وَمِمَّنْ حَكَى الْقَوْلَ فِيهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ"فِي بَابِ الْإِحْيَاءِ , وَاسْتَقَرَّ بِهِ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِهِ", وَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى قِيَاسِ التَّقْدِيمِ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَسَوَّوْا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ بَعْدَهُمْ. ا هـ. وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ"الرَّوْنَقِ".
خَاتِمَةٌ [قَدْ يَكُونُ الْخِلَافُ حُجَّةً] قَدْ يَكُونُ الْخِلَافُ حُجَّةً كَالْإِجْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ. مِنْهَا: مَنْعُ الْخُرُوجِ مِنْهُ إذَا انْحَصَرَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَمِنْهَا: تَسْوِيغُ الذَّهَابِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَمِنْهَا: كَوْنُ الْجَمِيعِ صَوَابًا إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ , وَغَيْرُ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي مَسْأَلَةِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ. [الِاخْتِلَافُ مَذْمُومٌ وَالِاجْتِمَاعُ مَحْمُودٌ] وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِ ذَمِّ التَّقْلِيدِ": قَدْ ذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ , وَلَوْ كَانَ مِنْ دِينِهِ مَا ذَمَّهُ , وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِنْ حُكْمِهِ مَا رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ , وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا هُمَا بِهِ , وَمَا حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّتَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً , لَكَانَ الِاجْتِمَاعُ عَذَابًا ; لِأَنَّ الْعَذَابَ خِلَافُ الرَّحْمَةِ , ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله تعالى - الِاخْتِلَافُ وَجْهَانِ: فَمَا كَانَ مَنْصُوصًا , لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الِاخْتِلَافُ , وَمَا كَانَ يَحْتَمِلُ التَّاوِيلَ أَوْ يُدْرَكُ قِيَاسًا , فَذَهَبَ الْمُتَأَوِّلُ أَوْ الْمُقَايِسُ إلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُ ذَلِكَ , وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ , لَمْ أَقُلْ إنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ضِيقَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَنْصُوصِ. قَالَ الْمُزَنِيّ: فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ ضَيَّقَ الْخِلَافَ كَتَضْيِيقِهِ فِي الْمَنْصُوصِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
[التَّخْصِيصُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَامًّا فَيَخُصُّهُ الصَّحَابِيُّ بِأَحَدِ أَفْرَادِهِ , فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاوِي لَهُ أَوْ لَا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ رَاوِيهِ , كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: {لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ} . وَحَدِيثِ عَلِيٍّ: {قَدْ عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ , وَالرَّقِيقِ} وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْصِيصُ الْخَيْلِ بِمَا يُغْزَى عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَأَمَّا غَيْرُهَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ , وَعَنْ عُثْمَانَ تَخْصِيصُهُ بِالسَّائِمَةِ , وَأَخَذَ مِنْ الْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةَ , وَعَنْ عُمَرَ نَحْوُهُ. فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ , وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ , وَسُلَيْمٌ , وَالشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ": يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ إذَا انْتَشَرَ , وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ , وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ إمَّا إجْمَاعٌ أَوْ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْخِلَافِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ فِي الْبَاقِينَ , فَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعًا , وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ , لَيْسَ بِحُجَّةٍ , فَلَا يُخَصُّ بِهِ , وَعَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ: هُوَ حُجَّةٌ , تُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ , وَهَلْ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُخَصُّ بِهِ , لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ , وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ أَوْلَى. وَالثَّانِي: لَا يُخَصُّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَتْرُكُ أَقْوَالَهَا لِظَاهِرِ السُّنَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حِكَايَةِ الْوَجْهَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِحُجِّيَّتِهِ , حَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ أَيْضًا , وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ", وَنَقَلَهُمَا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِيضَاحِ". وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَخْرِيجِ الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ تَخْصِيصًا"