[حُكْمُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسِ] فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؟ قِيلَ: مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَهُمْ قَوْلَانِ فِيمَا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً ; لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً , وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي نَفْسِهِ , وَالثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ , وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوْقِيفًا , وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْسَلِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ مُرْسِلُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إنَّهُ حُجَّةٌ فَلَهُمْ أَيْضًا قَوْلَانِ , أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ , وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ , بَلْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ , وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ , فَتَرَتُّبُ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ: الْقُرْآنُ , ثُمَّ السُّنَّةُ , ثُمَّ قَوْلُ الصَّحَابَةِ , ثُمَّ الْقِيَاسُ , وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحُجَّةٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ , وَهُوَ الْقِيَاسُ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ , وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَقْوَى مِنْ الْمُعَارِضِ الَّذِي خَالَفَهُ مِنْ الْقِيَاسِ ; لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ , وَالْأَخْذُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ مُتَعَيِّنٌ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ: [أَنْوَاعُ الْأَسْئِلَةِ] وَلْنَخْتِمْ الْكِتَابَ بِفَوَائِدَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَتْوَى.
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أَسْئِلَةُ السَّائِلِينَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ لَا خَامِسَ لَهَا: الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْحُكْمِ فَيَقُولُ ; مَا حُكْمُ كَذَا وَكَذَا. الثَّانِي: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ دَلِيلِ الْحُكْمِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ وَجْهِ دَلَالَتِهِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْجَوَابِ عَنْ مُعَارِضِهِ. [مَوْقِفُ الْمُفْتِي أَمَامَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَسْئِلَةِ] فَإِنْ سَأَلَ عَنْ الْحُكْمِ فَلِلْمَسْئُولِ حَالَتَانِ , إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ , وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِهِ , فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ بِلَا عِلْمٍ , فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ إثْمُهُ وَإِثْمُ الْمُسْتَفْتِي , فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ النَّاسُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الصَّوَابُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فَلَهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ ذَلِكَ , فَيَقُولُ: فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ , وَيَحْكِيهِ إنْ أَمْكَنَهُ لِلسَّائِلِ. وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ فَلِلسَّائِلِ حَالَتَانِ , إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَهُ وَقْتَ الْعَمَلِ وَقَدْ احْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ , فَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي الْمُبَادَرَةُ عَلَى الْفَوْرِ إلَى جَوَابِهِ , فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَاخِيرُ بَيَانِ الْحُكْمِ لَهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ سَأَلَ عَنْ الْحَادِثَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا , فَهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُجِيبَهُ عَنْهَا , وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الطَّيِّبُ إذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ لِلسَّائِلِ: هَلْ كَانَتْ أَوْ وَقَعَتْ؟ فَإِنْ قَالَ"لَا"لَمْ يُجِبْهُ , وَقَالَ: دَعْنَا فِي عَافِيَةٍ ; وَهَذَا لِأَنَّ الْفَتْوَى بِالرَّايِ لَا تَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ; فَالضَّرُورَةُ تُبِيحُهُ كَمَا تُبِيحُ الْمَيْتَةَ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ , وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةٍ لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ , فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ فَعَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ , فَمَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ , هَذَا إذَا أَمِنَ الْمُفْتِي غَائِلَةَ الْفَتْوَى , فَإِنْ لَمْ يَامَنْ غَائِلَتَهَا وَخَافَ مِنْ تَرَتُّبِ شَرٍّ أَكْثَرَ مِنْ الْإِمْسَاكِ عَنْهَا أَمْسَكَ عَنْهَا , تَرْجِيحًا لِدَفْعِ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. وَقَدْ أَمْسَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَقْضِ الْكَعْبَةِ وَإِعَادَتِهَا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ; لِأَجْلِ حِدْثَانِ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ وَأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا نَفَّرَهُمْ عَنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ , وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَقْلُ السَّائِلِ لَا يَحْتَمِلُ الْجَوَابَ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ , وَخَافَ الْمَسْئُولُ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لَهُ , أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهِ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ: وَمَا يُؤْمِنُك أَنِّي لَوْ أَخْبَرْتُك بِتَفْسِيرِهَا كَفَرْت بِهِ؟ أَيْ جَحَدْتُهُ وَأَنْكَرْتُهُ وَكَفَرْت بِهِ , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّك تَكْفُرُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ.
لِلْمُفْتِي الْعُدُولُ عَنْ السُّؤَالِ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ جَوَابِ الْمُسْتَفْتِي عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُ , وَلَا سِيَّمَا إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ بَيَانَ مَا سَأَلَ عَنْهُ , وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ عِلْمِ الْمُفْتِي وَفِقْهِهِ وَنُصْحِهِ , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فَسَأَلُوهُ عَنْ الْمُنْفَقِ فَأَجَابَهُمْ بِذِكْرِ الْمَصْرِفِ ; إذْ هُوَ أَهَمُّ مِمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ , وَنَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ بِالسِّيَاقِ , مَعَ ذِكْرِهِ لَهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ , وَهُوَ قوله تعالى {: قُلْ الْعَفْوَ} وَهُوَ مَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ