فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 129

أَوْ مَالٍ , وَهُنَّ مُنْفَرِدَاتٌ , بِحَيْثُ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ كَالْحَمَّامَاتِ وَالْأَعْرَاسِ , قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ مِنْهُنَّ قَطْعًا , وَلَا يُضَيِّعُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقَّ الْمَظْلُومِ , وَلَا يُعَطِّلُ إقَامَةَ دِينِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَبَدًا , بَلْ قَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْقَبُولِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي آخَرِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِي الْقُرْآنِ , وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ , وَلَا نَسَخَ هَذَا الْحُكْمَ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ , وَلَا يَلِيقُ بِالشَّرِيعَةِ سِوَاهُ. فَالشَّرِيعَةُ شُرِعَتْ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ , وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ لَهُمْ فِي تَعْطِيلِ حُقُوقِهِمْ إذَا لَمْ يَحْضُرْ أَسْبَابَ تِلْكَ الْحُقُوقِ شَاهِدَانِ حُرَّانِ ذَكَرَانِ عَدْلَانِ؟ بَلْ إذَا قُلْتُمْ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفُسَّاقِ حَيْثُ لَا عَدْلَ , وَيَنْفُذُ حُكْمُ الْجَاهِلِ وَالْفَاسِقِ إذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنْ قَاضٍ عَالِمٍ عَادِلٍ , فَكَيْفَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إذَا خَلَا جَمْعُهُنَّ عَنْ رَجُلٍ , أَوْ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ إذَا خَلَا جَمْعُهُمْ عَنْ حُرٍّ , أَوْ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إذَا خَلَا جَمْعُهُمْ عَنْ مُسْلِمٍ؟ وَقَدْ قَبِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ شَهَادَةَ الصَّبِيَّانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي تَجَارُحِهِمْ , وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَقَدْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُمْ بِأَنْ يُجِيبُوا قَبْلَ أَنْ يُجْتَنَبُوا أَوْ يَتَفَرَّقُوا إلَى بُيُوتِهِمْ , وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَكَلَامُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ ; فَقَدْ مَنَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ بِالتَّقْلِيدِ , وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ لِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا قَالَ أَبُو إسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا - وَقَدْ جَلَسَ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ فَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُفْتِيَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ ثُمَّ يُفْتِي - فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنْتَ تَحْفَظُ هَذَا؟ فَقَالَ: إنْ لَمْ أَحْفَظْ هَذَا فَأَنَا أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ كَانَ يَحْفَظُهُ , وَقَالَ[أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَشَّارٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا: مَا ضَرَّ رَجُلًا عِنْدَهُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ أَوْ أَرْبَعٌ مِنْ فَتَاوَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَسْتَنِدُ إلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ وَيَقُولُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

[هَلْ لِلْعَامِّيِّ إذَا عَلِمَ مَسْأَلَةً أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا؟] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا عَرَفَ الْعَامِّيُّ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ , وَيَسُوغَ لِغَيْرِهِ تَقْلِيدُهُ فِيهِ؟ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ , أَحَدُهَا: الْجَوَازُ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِحُكْمِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ عَنْ دَلِيلِهَا كَمَا حَصَلَ لِلْعَالِمِ , وَإِنْ تَمَيَّزَ الْعَالِمُ عَنْهُ بِقُوَّةٍ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ وَدَفْعِ الْمُعَارِضِ لَهُ , فَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا ; لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ , وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِشُرُوطِهِ , وَمَا يُعَارِضُهُ , وَلَعَلَّهُ يَظُنُّ دَلِيلًا مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ. وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ الدَّلِيلُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً جَازَ لَهُ الْإِفْتَاءُ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ , فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ كِتَابِ رَبِّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم , وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرْشِدَ غَيْرَهُ إلَيْهِ وَيَدُلَّهُ عَلَيْهِ.

[خِصَالٌ يَجِبُ تَحَقُّقُهَا فِيمَنْ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لَلْفُتْيَا] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِهِ فِي الْخُلْعِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ) , أَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ. الرَّابِعَةُ: الْكِفَايَةُ وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ. الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ النَّاسِ , وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ أَحْمَدَ وَمَحَلُّهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ هِيَ دَعَائِمُ الْفَتْوَى , وَأَيُّ شَيْءِ نَقَصَ مِنْهَا ظَهَرَ الْخَلَلُ فِي الْمُفْتِي بِحَسْبِهِ. [النِّيَّةُ وَمَنْزِلَتُهَا] فَأَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ رَاسُ الْأَمْرِ وَعَمُودُهُ وَأَسَاسُهُ وَأَصْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِ يُبْنَى ; فَإِنَّهَا رُوحُ الْعَمَلِ وَقَائِدُهُ وَسَائِقُهُ , وَالْعَمَلُ تَابِعٌ لَهَا يُبْنَى عَلَيْهَا , يَصِحُّ بِصِحَّتِهَا وَيَفْسُدُ بِفَسَادِهَا وَبِهَا يُسْتَجْلَبُ التَّوْفِيقُ , وَبِعَدَمِهَا يَحْصُلُ الْخِذْلَانُ , وَبِحَسَبِهَا تَتَفَاوَتُ الدَّرَجَاتُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , فَكَمْ بَيْنَ مُرِيدٍ بِالْفَتْوَى وَجْهَ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَالْقُرْبَ مِنْهُ وَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت