فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 129

عِنْدَهُ , وَمُرِيدٍ بِهَا وَجْهَ الْمَخْلُوقِ وَرَجَاءَ مَنْفَعَتِهِ وَمَا يَنَالُهُ مِنْهُ تَخْوِيفًا أَوْ طَمَعًا , فَيُفْتِي الرَّجُلَانِ بِالْفَتْوَى الْوَاحِدَةِ وَبَيْنَهُمَا فِي الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. هَذَا يُفْتِي لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرُ وَرَسُولُهُ هُوَ الْمُطَاعُ , وَهَذَا يُفْتِي لِيَكُونَ قَوْلُهُ هُوَ الْمَسْمُوعَ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ وَجَاهُهُ هُوَ الْقَائِمُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ خَالَفَهُمَا , فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ الَّتِي لَا تُبَدَّلُ وَسُنَّتُهُ الَّتِي لَا تُحَوَّلُ أَنْ يُلْبِسَ الْمُخْلِصَ مِنْ الْمَهَابَةِ وَالنُّورِ وَالْمَحَبَّةِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ وَإِقْبَالِ قُلُوبِهِمْ إلَيْهِ مَا هُوَ بِحَسَبِ إخْلَاصِهِ وَنِيَّتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ لِرَبِّهِ , وَيُلْبَسَ الْمُرَائِيَ اللَّابِسَ ثَوْبَيْ الزُّورِ مِنْ الْمَقْتِ وَالْمَهَانَةِ وَالْبِغْضَةِ مَا هُوَ اللَّائِقُ بِهِ ; فَالْمُخْلِصُ لَهُ الْمَهَابَةُ وَالْمَحَبَّةُ , وَلِلْآخَرِ الْمَقْتُ وَالْبَغْضَاءُ. [الْعِلْمُ وَالْحِلْمُ وَالْوَقَارُ وَالسَّكِينَةُ] وَأَمَّا قَوْلُهُ:"أَنْ يَكُونَ لَهُ حِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ"فَلَيْسَ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا إلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُ إلَى الْحِلْمِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ; فَإِنَّهَا كِسْوَةُ عِلْمِهِ وَجَمَالِهِ , وَإِذَا فَقَدَهَا كَانَ عِلْمُهُ كَالْبَدَنِ الْعَارِي مِنْ اللِّبَاسِ , وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا قُرِنَ شَيْءٌ إلَى شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ عِلْمٍ إلَى حِلْمٍ. وَالنَّاسُ هَهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ , فَخِيَارُهُمْ مِنْ أُوتِيَ الْحِلْمَ وَالْعِلْمَ , وَشِرَارُهُمْ مِنْ عَدَمِهِمَا , الثَّالِثُ: مِنْ أُوتِيَ عِلْمًا بِلَا حِلْمٍ , الرَّابِعُ: عَكْسُهُ فَالْحِلْمُ زِينَةُ الْعِلْمِ وَبَهَاؤُهُ وَجَمَالُهُ. وَضِدُّ الطَّيْشِ وَالْعَجَلَةِ وَالْحِدَةِ وَالتَّسَرُّعِ وَعَدَمِ الثَّبَاتِ ; فَالْحَلِيمُ لَا يَسْتَفِزُّهُ الْبَدَوَاتُ , وَلَا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ , وَلَا يُقْلِقُهُ أَهْلُ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ وَالْجَهْلِ. بَلْ هُوَ وَقُورٌ ثَابِتٌ ذُو أَنَاةٍ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ وُرُودِ أَوَائِلِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ وَلَا تَمْلِكُهُ أَوَائِلُهَا , وَمُلَاحَظَتُهُ لِلْعَوَاقِبِ تَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ تَسْتَخِفَّهُ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ ; فَبِالْعِلْمِ تَنْكَشِفُ لَهُ مَوَاقِعُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ , وَبِالْحِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَثْبِيتِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْخَيْرِ فَيُؤْثِرُهُ وَيَصِيرُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ الشَّرِّ فَيَصْبِرُ عَنْهُ ; فَالْعِلْمُ يُعَرِّفُهُ رُشْدَهُ وَالْحِلْمُ يُثَبِّتُهُ عَلَيْهِ , وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى بَصِيرًا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى هَذَا وَلَا عَنْ هَذَا رَأَيْته , وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى صَابِرًا عَلَى الْمَشَاقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ رَأَيْتَهُ , وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى مِنْ لَا صَبْرَ لَهُ وَلَا بَصِيرَةَ رَأَيْتَهُ , وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى بَصِيرًا صَابِرًا لَمْ تَكَدْ , فَإِذَا رَأَيْتَهُ فَقَدْ رَأَيْتَ إمَامَ هُدًى حَقًّا فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ. وَالْوَقَارُ وَالسَّكِينَةُ ثَمَرَةُ الْحِلْمِ وَنَتِيجَتُهُ. وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى السَّكِينَةِ وَحَقِيقَتِهَا وَتَفَاصِيلِهَا وَأَقْسَامِهَا نُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ عُلُومِنَا الْقَاصِرَةِ , وَأَذْهَانِنَا الْجَامِدَةِ , وَعِبَارَاتِنَا النَّاقِصَةِ , وَلَكِنْ نَحْنُ أَبْنَاءُ الزَّمَانِ , وَالنَّاسُ بِزَمَانِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ , وَلِكُلِّ زَمَانٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ. حَقِيقَةُ السَّكِينَةِ] فَالسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ السُّكُونِ , وَهُوَ طُمَانِينَةُ الْقَلْبِ وَاسْتِقْرَارُهُ , وَأَصْلُهَا فِي الْقَلْبِ , وَيَظْهَرُ أَثَرُهَا عَلَى الْجَوَارِحِ , وَهِيَ عَامَّةُ وَخَاصَّةٌ. فَسَكِينَةُ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - أَخَصُّ مَرَاتِبِهَا وَأَعْلَى أَقْسَامِهَا كَالسَّكِينَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَقَدْ أُلْقِيَ فِي الْمَنْجَنِيقِ مُسَافِرًا إلَى مَا أَضْرَمَ لَهُ أَعْدَاءُ اللَّهِ مِنْ النَّارِ , فَلِلَّهِ تِلْكَ السَّكِينَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَلْبِهِ حِينَ ذَلِكَ السَّفَرِ , وَكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِمُوسَى وَقَدْ غَشِيَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ مِنْ وَرَائِهِمْ وَالْبَحْرُ أَمَامَهُمْ وَقَدْ اسْتَغَاثَ بَنُو إسْرَائِيلَ: يَا مُوسَى إلَى أَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا؟ هَذَا الْبَحْرُ أَمَامَنَا وَهَذَا فِرْعَوْنُ خَلْفَنَا , وَكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ وَقْتَ تَكْلِيمِ اللَّهِ لَهُ نِدَاءً وَنِجَاءً كَلَامًا حَقِيقَةً سَمِعَهُ حَقِيقَةً بِأُذُنِهِ , وَكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ وَقَدْ رَأَى الْعَصَا ثُعْبَانًا مُبِينًا , وَكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَقَدْ رَأَى حِبَالَ الْقَوْمِ وَعِصِيَّهُمْ كَأَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً , وَكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ عَدُوُّهُمَا وَهُمَا فِي الْغَارِ فَلَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ إلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ لَرَآهُمَا , وَكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي مَوَاقِفِهِ الْعَظِيمَةِ وَأَعْدَاءُ اللَّهِ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ كَيَوْمِ بَدْرٍ وَيَوْمِ حُنَيْنٍ وَيَوْمِ الْخَنْدَقِ وَغَيْرِهِ ; فَهَذِهِ السَّكِينَةُ أَمْرٌ فَوْقَ عُقُولِ الْبَشَرِ , وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِهِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ , فَإِنَّ الْكَذَّابَ - وَلَا سِيَّمَا عَلَى اللَّهِ - أَقْلَقُ مَا يَكُونُ وَأَخْوَفُ مَا يَكُونُ وَأَشَدُّهُ اضْطِرَابًا فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت