فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 129

الْأَوْفَى , وَكَانَ حَظُّ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَبْخَسَ الْحُظُوظِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ , وَأَيْضًا فَالرِّضْوَانُ عَمَّنْ اتَّبَعَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ صَوَابٌ لَيْسَ بِخَطَإٍ ; فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ خَطَأٌ لَكَانَ غَايَةُ صَاحِبِهِ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهُ , فَإِنَّ الْمُخْطِئَ إلَى أَنْ يُعْفَى عَنْهُ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَنْ يَرْضَى عَنْهُ , وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ ; لِأَنَّ خِلَافَ الصَّوَابِ خَطَأٌ , وَالْخَطَأُ يَحْرُمُ اتِّبَاعُهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ خَطَأٌ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ خَطَأٌ يَكُونُ الصَّوَابُ خِلَافَهُ , وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُهُمْ مُوجِبٌ الرِّضْوَانَ لَمْ يَكُنْ تَرْكُ اتِّبَاعِهِمْ مُوجِبٌ الرِّضْوَانَ ; لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَقْتَضِيه وُجُودُ الشَّيْءِ وَضِدُّهُ وَلَا وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ ; لِأَنَّهُ يَبْقَى عَدِيمَ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ الْجَزَاءِ , وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ الرِّضْوَانَ وَالْآخَرُ لَا يُوجِبُهُ كَانَ الْحَقُّ مَا يُوجِبُهُ , وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ , وَأَيْضًا فَإِنَّ طَلَبَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ رِضْوَانُهُ فَإِمَّا سَخَطُهُ أَوْ عَفْوُهُ , وَالْعَفْوُ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْخَطِيئَةِ , وَذَلِكَ لَا تُبَاحُ مُبَاشَرَتُهُ إلَّا بِالنَّصِّ , وَإِذَا كَانَ رِضْوَانُهُ إنَّمَا هُوَ فِي اتِّبَاعِهِمْ , وَاتِّبَاعُ رِضْوَانِهِ وَاجِبٌ , كَانَ اتِّبَاعُهُمْ وَاجِبًا , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا أَثْنَى عَلَى الْمُتَّبِعِ بِالرِّضْوَانِ , وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْوُجُوبِ ; لِأَنَّ إيجَابَ الِاتِّبَاعِ يَدْخُلُ فِي الِاتِّبَاعِ فِي الْأَفْعَالِ , وَيَقْتَضِي تَحْرِيمَ مُخَالَفَتِهِمْ مُطْلَقًا , فَيَقْتَضِي ذَمَّ الْمُخْطِئِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , أَمَّا الْأَقْوَالُ فَلَا وَجْهَ لِمُخَالَفَتِهِمْ فِيهَا بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَوْلَ إذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ رِضَا اللَّهِ لَمْ يَكُنْ رِضَا اللَّهِ فِي ضِدِّهِ , بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَقَدْ يَكُونُ رِضَا اللَّهِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَفِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِحَسَبِ قَصْدَيْنِ وَحَالَيْنِ , أَمَّا الِاعْتِقَادَاتُ وَالْأَقْوَالُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ , فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي قَوْلِهِمْ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ إلَّا هُوَ ; فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ. فَإِنْ قِيلَ: السَّابِقُونَ هُمْ الَّذِينَ صَلَّوْا إلَى الْقِبْلَتَيْنِ , أَوْ هُمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ , فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَهُوَ أَكْبَرُ الْمَقْصُودِ , عَلَى أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ , وَكُلُّ الصَّحَابَةِ سَابِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ.

فَصْلٌ: [عَوْدٌ إلَى أَدِلَّةِ اتِّبَاعِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ]

الْوَجْهُ الثَّانِي: قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} هَذَا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ صَاحِبِ يَاسِينَ , عَلَى سَبِيلِ الرِّضَاءِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ , وَالثَّنَاءِ عَلَى قَائِلِهَا , وَالْإِقْرَارِ لَهُ عَلَيْهَا , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْأَلْنَا أَجْرًا , وَهُمْ مُهْتَدُونَ , بِدَلِيلِ قوله تعالى خِطَابًا لَهُمْ: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وَ"لَعَلَّ"مِنْ اللَّهِ وَاجِبٌ وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْك حَتَّى إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَاَلَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} وقوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ} وقوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وَكُلٌّ مِنْهُمْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَاهَدَ إمَّا بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ , فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ هَدَاهُمْ , وَكُلُّ مَنْ هَدَاهُ فَهُوَ مُهْتَدٍ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ بِالْآيَةِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ} وَكُلٌّ مِنْ الصَّحَابَةِ مُنِيبٌ إلَى اللَّهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِ , وَأَقْوَالُهُ وَاعْتِقَادَاتُهُ مِنْ أَكْبَرِ سَبِيلِهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ مُنِيبُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ هَدَاهُمْ وَقَدْ قَالَ: {وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} .

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي} فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ يَدْعُو إلَى اللَّهِ , وَمَنْ دَعَا إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ ; لقوله تعالى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ الْجِنِّ وَرَضِيَهُ: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} وَلِأَنَّ مَنْ دَعَا إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ فَقَدْ دَعَا إلَى الْحَقِّ عَالِمًا بِهِ , وَالدُّعَاءُ إلَى أَحْكَامِ اللَّهِ دُعَاءٌ إلَى اللَّهِ ; لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى , وَإِذًا فَالصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم قَدْ اتَّبَعُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ إذَا دَعَوْا إلَى اللَّهِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قوله تعالى {قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قَالَ ابْنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت