فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 129

ثُبُوتُهَا لِكُلِّ فَرَدٍّ فَرْدٌ مِنْ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ كَقَوْلِهِ {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} وَقَوْلِهِ {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى الْمَجْمُوعِ يُؤْتَى فِيهَا بِاسْمٍ يَتَنَاوَلُ الْمَجْمُوعَ دُونَ الْأَفْرَادِ كَقَوْلِهِ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وَقَوْلِهِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وَ قَوْلِهِ {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} فَإِنَّ لَفْظَ الْأُمَّةِ وَلَفْظَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُمْكِنُ تَوْزِيعُهُ عَلَى أَفْرَادِ الْأُمَّةِ , وَأَفْرَادِ الْمُؤْمِنِينَ , بِخِلَافِ لَفْظِ السَّابِقِينَ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ السَّابِقِينَ. وَأَيْضًا فَالْآيَةُ تَعُمُّ اتِّبَاعَهُمْ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينَ فِي كُلِّ مُمْكِنٍ ; فَمَنْ اتَّبَعَ جَمَاعَتَهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا وَاتَّبَعَ آحَادَهُمْ فِيمَا وَجَدَ عَنْهُمْ مِمَّا لَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْهُمْ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اتَّبَعَ السَّابِقِينَ , أَمَّا مَنْ خَالَفَ بَعْضَ السَّابِقِينَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ"اتَّبَعَ السَّابِقِينَ"لِوُجُودِ مُخَالَفَتِهِ لِبَعْضِهِمْ , لَا سِيَّمَا إذَا خَالَفَ هَذَا مَرَّةً , وَهَذَا مَرَّةً , وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ إذَا اخْتَلَفُوا ; فَإِنَّ اتِّبَاعَهُمْ هُنَاكَ قَوْلُ بَعْضِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ بِاجْتِهَادٍ وَاسْتِدْلَالٍ , إذْ هُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى تَسْوِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ لِمَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ , فَقَدْ قَصَدَ اتِّبَاعَهُمْ أَيْضًا , أَمَّا إذَا قَالَ الرَّجُلُ قَوْلًا , وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ فَلَا يَعْلَمُ أَنَّ السَّابِقِينَ سَوَّغُوا خِلَافَ ذَلِكَ الْقَوْلِ , وَأَيْضًا فَالْآيَةُ تَقْتَضِي اتِّبَاعَهُمْ مُطْلَقًا. فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الطَّالِبَ وَقَفَ عَلَى نَصٍّ يُخَالِفُ قَوْلَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَوْ ظَفِرَ بِذَلِكَ النَّصِّ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ , أَمَّا إذَا رَأَيْنَا رَايًا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ الرَّايِ , وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اتِّبَاعُهُمْ إلَّا فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ اتِّبَاعُهُمْ إلَّا فِيمَا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالِاضْطِرَارِ ; لِأَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ خَلْقٌ عَظِيمٌ , وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا إلَّا عَلَى ذَلِكَ ; فَيَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُهُ ; إذْ الِاتِّبَاعُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ , وَأَيْضًا فَجَمِيعُ السَّابِقِينَ قَدْ مَاتَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى اتِّبَاعِهِمْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لَوْ فَرَضْنَا أَحَدًا يَتَّبِعُهُمْ إذْ ذَاكَ لَكَانَ مِنْ السَّابِقِينَ , فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّابِعِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ اتِّبَاعُ جَمِيعِ السَّابِقِينَ , وَأَيْضًا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ قَوْلِ جَمِيعِ السَّابِقِينَ كَالْمُتَعَذَّرِ , فَكَيْفَ يُتَّبَعُونَ كُلُّهُمْ فِي شَيْءٍ لَا يَكَادُ يُعْلَمُ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَحَقُّوا مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ بِكَوْنِهِمْ هُمْ السَّابِقِينَ , وَهَذِهِ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ إمَامًا لِلْمُتَّقِينَ كَمَا اسْتَوْجَبَ الرِّضْوَانَ وَالْجَنَّةَ.

فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُ"لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ اتِّبَاعُهُمْ"فَنَقُولُ: الْآيَةُ تَقْتَضِي الرِّضْوَانَ عَمَّنْ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ , وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ ; فَلَا يَكُونُ اتِّبَاعُهُمْ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ , بَلْ قَوْلًا بِعِلْمٍ , وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ , وَحِينَئِذٍ فَسَوَاءٌ يُسَمَّى تَقْلِيدًا أَوْ اجْتِهَادًا , وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُ الْعَالِمُ لِلْعَالِمِ حَرَامًا كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَاتِّبَاعُهُمْ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ لِأَنَّهُ مَرَضِيٌّ , وَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ جَائِزًا أَوْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ مُسْتَثْنًى مِنْ التَّقْلِيدِ الْمُحَرَّمِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ تَقْلِيدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ مُوجِبَاتِ الرِّضْوَانِ ; فَعُلِمَ أَنَّ تَقْلِيدَهُمْ خَارِجٌ عَنْ هَذَا , لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْعَالِمِ , وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَتَرَكَهُ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ أَوْ إلَى اجْتِهَادٍ جَائِزٌ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ , وَالشَّيْءُ الْمُبَاحُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّضْوَانُ , وَأَيْضًا فَإِنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ الَّتِي لَا تُنَالُ إلَّا بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي يَجُوزُ خِلَافُهُ لَيْسَ بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ , بَلْ الِاجْتِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ , فَعُلِمَ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ هُوَ أَفْضَلُ مَا يَكُونُ فِي مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفُوا فِيهَا هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ , وَأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ هُوَ الْمُوجِبُ لِرِضْوَانِ اللَّهِ ; فَلَا رَيْبَ أَنَّ رُجْحَانَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُوجِبُ اتِّبَاعَهُ. [وَقَوْلُهُمْ أَرْجَحُ] بِلَا شَكٍّ , وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ لَا يَتَخَيَّرُ الرَّجُلُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ , وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ , وَالتَّقْلِيدُ وَظِيفَةُ الْعَامَّةِ , فَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا لَهُمْ أَوْ مُحَرَّمًا ; إذْ الِاجْتِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ لَهُمْ بِغَيْرِ خِلَافٍ , وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ , فَلَوْ أُرِيدَ بِاتِّبَاعِهِمْ التَّقْلِيدُ الَّذِي يَجُوزُ خِلَافَهُ لَكَانَ لِلْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ النَّصِيبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت