فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 129

الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ انْصِرَافِ الْمُطْلَقِ إلَى الْكَمَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمَّةَ الْكَامِلَةَ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ عَلَى مَنْعٍ وَخِلَافٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلِذَا كَانَ دَلِيلُ الْمُقَلِّدِ هُوَ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ لَا النُّصُوصُ إذْ اسْتَخْرَجَ الْأَحْكَامَ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا مَنْصِبُ الْمُجْتَهِدِ وَقَدْ قَالُوا إذَا تَعَارَضَ النَّصُّ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ إذْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ النَّصِّ اجْتِهَادِيًّا وَلَهُ مُعَارِضٌ قَوِيٌّ وَتَاوِيلٌ وَتَخْصِيصٌ وَنَاسِخٌ وَغَيْرُهَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَنَّ ذَلِكَ كَالرَّايِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ إذْ الْمَنْعُ عَنْ كُلِّ مَا ذَكَرَهُ صَرِيحٌ فِي الْفِقْهِيَّةِ.

وفي شرح الكوكب المنير:

(وَقَوْلُ صَحَابِيٍّ عَلَى) صَحَابِيٍّ (مِثْلِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ) عَلَيْهِ اتِّفَاقًا , وَنَقَلَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ , وَزَادَ: وَلَوْ كَانَ أَعْلَمَ أَوْ إمَامًا , أَوْ حَاكِمًا (وَ) قَوْلُ صَحَابِيٍّ (عَلَى غَيْرِهِ) تَارَةً يَنْتَشِرُ وَتَارَةً لَا يَنْتَشِرُ (فَإِنْ انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكَرْ: فَسَبَقَ) فِي الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ (فَ) هُوَ (حُجَّةٌ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ) عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا , وَقِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ إلَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ قِيَاسُ تَقْرِيبٍ. فَعَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ (إنْ اخْتَلَفَ صَحَابِيَّانِ فَكَدَلِيلَيْنِ) تَعَارَضَا عَلَى مَا يَاتِي فِي بَابِ التَّعَارُضِ (هَذَا إنْ وَافَقَ) قَوْلُ الصَّحَابِيِّ (الْقِيَاسَ , وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْقِيَاسَ (حُمِلَ عَلَى التَّوْقِيفِ) ظَاهِرًا عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ , وَالشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ , وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالرَّازِيِّ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ , بَلْ عَنْ تَوْقِيفٍ: أَنَّهُ يَكُونُ مَرْفُوعًا , صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ. انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَبَنَيْنَا عَلَيْهِ مَسَائِلَ كَتَغْلِيظِ الدِّيَةِ بِالْحُرُمَاتِ الثَّلَاثِ , وَخَالَفَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ , وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ (فَ) عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ (يَكُونُ) قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمَحْمُولُ عَلَى التَّوْقِيفِ (حُجَّةً حَتَّى عَلَى صَحَابِيٍّ) عِنْدَنَا وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي , فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ حَدِيثًا لَرَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِئَلَّا يَكُونَ كَاتِمًا لِلْعِلْمِ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ إذَا رَوَى ذَلِكَ وَكَانَ تَوْقِيفًا: أَنْ يُصَرِّحَ بِرَفْعِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَقَلَهُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا , أَوْ ظَنَّ نَقْلَ غَيْرِهِ لَهُ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ (وَيُعْمَلُ بِهِ) أَيْ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمَحْمُولِ عَلَى التَّوْقِيفِ (وَإِنْ) أَيْ وَلَوْ (عَارَضَ خَبَرًا مُتَّصِلًا) مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْمَحْمُولَ عَلَى التَّوْقِيفِ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقِيَاسِ.

(بَابٌ) لَمَّا كَانَ التَّقْلِيدُ مُقَابِلًا لِلِاجْتِهَادِ , وَانْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ شَرَعْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ التَّقْلِيدِ ثُمَّ (التَّقْلِيدُ لُغَةً: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُحِيطًا بِهِ) أَيْ: بِالْعُنُقِ , وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلَادَةً. وَجَمْعُهَا قَلَائِدُ (وَ) التَّقْلِيدُ (عُرْفًا) أَيْ: فِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ (أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ) أَيْ: اعْتِقَادُ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ (بِلَا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ (مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ) أَيْ: دَلِيلِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ الَّذِي اقْتَضَاهُ , وَأَوْجَبَ الْقَوْلَ بِهِ , فَقَوْلُهُ"أَخْذُ"جِنْسٌ. وَالْمُرَادُ بِهِ: اعْتِقَادُ ذَلِكَ , وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِ فِسْقٍ , وَقَوْلُهُ"مَذْهَبِ"يَشْمَلُ مَا كَانَ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا. وَنِسْبَةُ الْمَذْهَبِ إلَى الْغَيْرِ يَخْرُجُ بِهِ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ , وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ إذَا كَانَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا اجْتِهَادٌ , فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى مَذْهَبَهُ , وَقَوْلُهُ"بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ"يَشْمَلُ الْمُجْتَهِدَ إذَا لَمْ يَجْتَهِدْ وَلَا عَرَفَ الدَّلِيلَ , وَجَوَّزْنَا لَهُ التَّقْلِيدَ , فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعَامِّيِّ فِي أَخْذِهِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ , فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمُجْتَهِدُ إذَا عَرَفَ الدَّلِيلَ , وَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ , فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا. كَمَا يُقَالُ: أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي كَذَا. وَأَخَذَ أَحْمَدُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كَذَا , وَإِنَّمَا خَرَجَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ - وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ - لَكِنَّهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ فَمَا أُخِذَ حَقِيقَةً إلَّا مِنْ الدَّلِيلِ لَا مِنْ الْمُجْتَهِدِ , فَيَكُونُ إطْلَاقُ الْأَخْذِ بِمَذْهَبِهِ فِيهِ تَجَوُّزٌ. وَعَبَّرَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِمَا"بِغَيْرِ حُجَّةٍ"وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ الْقَوْلِ مِمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا وَمَثَّلَا ذَلِكَ بِأَخْذِ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ مِثْلِهِ , وَأَخْذِ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت