فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 129

إلَى السَّكِينَةِ عِنْدَ الْوَسَاوِسِ الْمُعْتَرِضَةِ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ لِيَثْبُتَ قَلْبُهُ وَلَا يَزِيغَ , وَعِنْدَ الْوَسَاوِسِ وَالْخَطِرَاتِ الْقَادِحَةِ فِي أَعْمَالِ الْإِيمَانِ لِئَلَّا تَقْوَى وَتَصِيرَ هُمُومًا وَغُمُومًا وَإِرَادَاتٌ يَنْقُصُ بِهَا إيمَانُهُ , وَعِنْدَ أَسْبَابِ الْمَخَاوِفِ عَلَى اخْتِلَافِهَا لِيَثْبُتَ قَلْبُهُ وَيَسْكُنُ جَاشُهُ , وَعِنْدَ أَسْبَابِ الْفَرَحِ لِئَلَّا يَطْمَحَ بِهِ مَرْكَبُهُ فَيُجَاوِزَ الْحَدَّ الَّذِي لَا يُعْبَرُ فَيَنْقَلِبُ تَرَحًا وَحُزْنًا , وَكَمْ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَا يُفْرِحُهُ فَجَمَحَ بِهِ مَرْكَبُ الْفَرَحِ وَتَجَاوَزَ الْحَدَّ فَانْقَلَبَ تَرَحًا عَاجِلًا , وَلَوْ أُعِينَ بِسَكِينَةٍ تَعْدِلُ فَرَحَهُ لِأُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ , وَعِنْدَ هُجُومِ الْأَسْبَابِ الْمُؤْلِمَةِ عَلَى اخْتِلَافِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ , فَمَا أَحْوَجَهُ إلَى السَّكِينَةِ حِينَئِذٍ , وَمَا أَنْفَعَهَا لَهُ , وَأَجْدَاهَا عَلَيْهِ , وَأَحْسَنَ عَاقِبَتَهَا ,. وَالسَّكِينَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ عَلَامَةٌ عَلَى الظَّفَرِ , وَحُصُولِ الْمَحْبُوبِ , وَانْدِفَاعِ الْمَكْرُوهِ , وَفَقْدُهَا عَلَامَةٌ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ , لَا يُخْطِئُ هَذَا وَلَا هَذَا , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [الِاضْطِلَاعُ بِالْعِلْمِ] وَأَمَّا قَوْلُهُ"أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ , وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ"أَيْ مُسْتَظْهِرًا مُضْطَلِعًا بِالْعِلْمِ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ , غَيْرَ ضَعِيفٍ فِيهِ ; فَإِنَّهُ إذَا كَانَ ضَعِيفًا قَلِيلَ الْبِضَاعَةِ غَيْرَ مُضْطَلِعٍ بِهِ أَحْجَمَ عَنْ الْحَقِّ فِي مَوْضِعٍ يَنْبَغِي فِيهِ الْإِقْدَامُ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِمَوَاضِعِ الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ , فَهُوَ يَقْدَمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ , وَيُحْجِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ , وَلَا بَصِيرَةَ لَهُ بِالْحَقِّ , وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى تَنْفِيذِهِ ; فَالْمُفْتِي مُحْتَاجٌ إلَى قُوَّةٍ فِي الْعِلْمِ وَقُوَّةٍ فِي التَّنْفِيذِ , فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ. [الْكِفَايَةُ] وَأَمَّا قَوْلُهُ"الرَّابِعَةُ الْكِفَايَةُ وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ"فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ احْتَاجَ إلَى النَّاسِ وَإِلَى الْأَخْذِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ , فَلَا يَاكُلُ مِنْهُمْ شَيْئًا إلَّا أَكَلُوا مِنْ لَحْمِهِ وَعِرْضِهِ أَضْعَافَهُ , وَقَدْ كَانَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ شَيْءٌ مِنْ مَالٍ , وَكَانَ لَا يَتَرَوَّى فِي بَذْلِهِ وَيَقُولُ: لَوْلَا ذَلِكَ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ ; فَالْعَالِمُ إذَا مُنِحَ غِنَاءً فَقَدْ أُعِينَ عَلَى تَنْفِيذِ عِلْمِهِ , وَإِذَا احْتَاجَ إلَى النَّاسِ فَقَدْ مَاتَ عِلْمُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ. [مَعْرِفَةُ النَّاسِ] وَأَمَّا قَوْلُهُ"الْخَامِسَةُ مَعْرِفَةُ النَّاسِ"فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا فِيهِ فَقِيهًا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ , وَإِلَّا كَانَ مَا يَفْسُدُ أَكْثَرَ مِمَّا يَصْلُحُ , فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا فِي الْأَمْرِ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّاسِ تَصَوَّرَ لَهُ الظَّالِمُ بِصُورَةِ الْمَظْلُومِ وَعَكْسُهُ , وَالْمُحِقُّ بِصُورَةِ الْمُبْطِلِ وَعَكْسُهُ , وَرَاجَ عَلَيْهِ الْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ وَالِاحْتِيَالُ , وَتَصَوَّرَ لَهُ الزِّنْدِيقُ فِي صُورَةِ الصِّدِّيقِ , وَالْكَاذِبُ فِي صُورَةِ الصَّادِقِ , وَلَبِسَ كُلُّ مُبْطِلٍ ثَوْبَ زُورٍ تَحْتَهَا الْإِثْمُ وَالْكَذِبُ وَالْفُجُورُ , وَهُوَ لِجَهْلِهِ بِالنَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ وَعُرْفِيَّاتِهِمْ لَا يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ هَذَا , بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي مَعْرِفَةِ مَكْرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ وَاحْتِيَالِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ وَعُرْفِيَّاتِهِمْ , فَإِنَّ الْفَتْوَى تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْعَوَائِدِ وَالْأَحْوَالِ , وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ

[كَلِمَاتٌ حُفِظَتْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ تَتَضَمَّنُ الصِّفَاتِ الَّتِي تَلْزَمُ الْمُفْتِيَ] الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: فِي كَلِمَاتٍ حُفِظَتْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ - فِي أَمْرِ الْفُتْيَا , سِوَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا. قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إذَا حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الْفُتْيَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقُرْآنِ , عَالِمًا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ , عَالِمًا بِالسُّنَنِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: لَا تَجُوزُ الْفُتْيَا إلَّا لِرَجُلٍ عَالَمٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَفْتَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ , وَإِلَّا فَلَا يُفْتِي. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى: أُحِبُّ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ النَّاسُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ , وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ , وَفِي مِصْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّايِ , وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَا يَحْفَظُونَ , وَلَا يَعْرِفُونَ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَلَا الْإِسْنَادَ الْقَوِيَّ , فَلِمَنْ يَسْأَلُ؟ لِهَؤُلَاءِ أَوْ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ؟ فَقَالَ: يَسْأَلُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ , وَلَا يَسْأَلُ أَصْحَابَ الرَّايِ , ضَعِيفُ الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِنْ الرَّايِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَادِي , وَقَدْ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُهُ: إذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت