فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 129

فَمُدَى الْحَبَشَةِ فَنَبَّهَ عَلَى عِلَّةِ الْمَنْعِ مِنْ التَّذْكِيَةِ بِهِمَا بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا عَظْمًا , وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى عَدَمِ التَّذْكِيَةِ بِالْعِظَامِ ; إمَّا لِنَجَاسَةِ بَعْضِهَا ; وَإِمَّا لِتَنْجِيسِهِ عَلَى مُؤْمِنِي الْجِنِّ , وَلِكَوْنِ الْآخَرِ مُدَى الْحَبَشَةِ , فَفِي التَّذْكِيَةِ بِهَا تَشَبُّهٌ بِالْكُفَّارِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ {: إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ , فَإِنَّهَا رِجْسٌ} وَمِنْ ذَلِكَ {قَوْلُهُ فِي الثَّمَرَةِ تُصِيبُهَا الْجَائِحَةُ: أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ , فَبِمَ يَاكُلُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟.} وَهَذَا التَّعْلِيلُ بِعَيْنِهِ يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ اسْتَاجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَأَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى , فَيُقَالُ لِلْمُؤَجِّرِ: أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الزَّرْعَ فَبِمَ تَاكُلُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟ , وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ , وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الشَّارِعَ مَعَ كَوْنِ قَوْلِهِ حُجَّةً بِنَفْسِهِ يُرْشِدُ الْأُمَّةَ إلَى عِلَلِ الْأَحْكَامِ وَمَدَارِكِهَا وَحُكْمِهَا , فَوَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ {نَهْيُهُ عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ إنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ} وَمِنْ ذَلِكَ إفْتَاؤُهُ لِلْعَاضِّ يَدَ غَيْرِهِ بِإِهْدَارِ دِيَةِ ثَنِيَّتِهِ لَمَّا سَقَطَتْ بِانْتِزَاعِ الْمَعْضُوضِ يَدَهُ مِنْ فِيهِ , وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ {أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيك تَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ} وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ التَّعْلِيلِ وَأَبْيَنِهِ ; فَإِنَّ الْعَاضَّ لَمَّا صَالَ عَلَى الْمَعْضُوضِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ صِيَالَهُ عَنْهُ بِانْتِزَاعِ يَدِهِ مِنْ فَمِهِ , فَإِذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ ثَنَايَاهُ كَانَ سُقُوطُهَا بِفِعْلٍ مَاذُونٍ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ فَلَا يُقَابَلُ بِالدِّيَةِ , وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي السُّنَّةِ. فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُنَبِّهَ السَّائِلَ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ وَمَاخَذِهِ إنْ عَرَفَ ذَلِكَ , وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِلَا عِلْمٍ. وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْقُرْآنِ يُرْشِدُ سُبْحَانَهُ فِيهَا إلَى مُدَارِكِهَا وَعِلَلِهَا , كَقَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عِلَّةَ الْحُكْمِ قَبْلَ الْحُكْمِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} .

[مِنْ أَدَبِ الْمُفْتِي أَنْ يُمَهِّدَ لِلْحُكْمِ الْمُسْتَغْرَبِ] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: (إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا جِدًّا مِمَّا لَا تَالَفُهُ النُّفُوسُ وَإِنَّمَا أَلِفَتْ خِلَافَهُ فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُوَطِّئَ قَبْلَهُ مَا يَكُونُ مُؤْذِنًا بِهِ) كَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَالْمُقَدِّمَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ , فَتَأَمَّلْ ذِكْرَهُ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَإِخْرَاجَ الْوَلَدِ مِنْهُ بَعْدَ انْصِرَامِ عَصْرِ الشَّبِيبَةِ وَبُلُوغِهِ السِّنَّ الَّذِي لَا يُولَدُ [فِيهِ] لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ , فَذَكَرَ قِصَّتَهُ مُقَدَّمَةً بَيْنَ يَدَيْ قِصَّةِ الْمَسِيحِ وَوِلَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ; فَإِنَّ النُّفُوسَ لَمَّا آنَسَتْ بِوَلَدٍ مِنْ بَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرِينَ لَا يُولَدُ لَهُمَا عَادَةً سَهُلَ عَلَيْهَا التَّصْدِيقُ بِوِلَادَةِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ , وَكَذَلِكَ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ قَبْلَ قِصَّةِ الْمَسِيحِ مُوَافَاةَ مَرْيَمَ رِزْقَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَغَيْرِ إبَّانِهِ. وَهَذَا الَّذِي شَجَّعَ نَفْسَ زَكَرِيَّا وَحَرَّكَهَا لِطَلَبِ الْوَلَدِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ , وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ نَسْخِ الْقِبْلَةِ لَمَّا كَانَتْ شَدِيدَةً عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا كَيْفَ وَطَّأَ سُبْحَانَهُ قَبْلَهَا عِدَّةَ مُوَطَّئَاتٍ: مِنْهَا: ذِكْرُ النَّسْخِ , وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَاتِي بِخَيْرٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ , وَمِنْهَا: أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ , وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ; فَعُمُومُ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ صَالِحٌ لِهَذَا الْأَمْرِ الثَّانِي كَمَا كَانَ صَالِحًا لِلْأَوَّلِ. وَمِنْهَا: تَحْذِيرُهُمْ الِاعْتِرَاضَ عَلَى رَسُولِهِ كَمَا اعْتَرَضَ مَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى مُوسَى , بَلْ أَمَرَهُمْ بِالتَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ. وَمِنْهَا: تَحْذِيرُهُمْ بِالْإِصْغَاءِ إلَى الْيَهُودِ , وَأَنْ لَا تَسْتَخِفَّهُمْ شُبَهُهُمْ , فَإِنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ يَرُدُّوهُمْ كُفَّارًا مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ. وَمِنْهَا: إخْبَارُهُ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ لَيْسَ بِالتَّهَوُّدِ وَلَا بِالتَّنَصُّرِ , وَإِنَّمَا هُوَ بِإِسْلَامِ الْوَجْهِ وَالْقَصْدِ وَالْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ لِلَّهِ مَعَ مُتَابَعَةِ أَمْرِهِ. وَمِنْهَا: إخْبَارُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ سَعَتِهِ , وَأَنَّهُ حَيْثُ وَلَّى الْمُصَلِّي وَجْهَهُ فَثَمَّ وَجْهُهُ تَعَالَى , فَإِنَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ , فَذَكَرَ الْإِحَاطَتَيْنِ الذَّاتِيَّةَ وَالْعِلْمِيَّةَ , فَلَا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ فِي الْقِبْلَةِ الْأُولَى لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقْبِلِينَ وَجْهَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ , بَلْ حَيْثُمَا تَوَجَّهُوا فَثَمَّ وَجْهُهُ تَعَالَى. وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت