; فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي كُتُبِهِمْ مَنْصُوصًا عَنْ الْأَئِمَّةِ , بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُ يُخَالِفُ نُصُوصَهُمْ , وَكَثِيرٌ مِنْهُ لَا نَصَّ لَهُمْ فِيهِ , وَكَثِيرٌ مِنْهُ يَخْرُجُ عَلَى فَتَاوِيهِمْ , وَكَثِيرٌ مِنْهُ أَفْتَوْا بِهِ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ , فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ"هَذَا قَوْلُ فُلَانٍ وَمَذْهَبُهُ"إلَّا أَنْ يَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّهُ قَوْلُهُ وَمَذْهَبُهُ , فَمَا أَعْظَمَ خَطَرَ الْمُفْتِي وَأَصْعَبَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى ,. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَإِنَّهُ يَسَعُهُ أَنْ يُخْبِرَ الْمُسْتَفْتِيَ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ الصَّوَابُ , بَعْدَ بَذْلِ جُهْدِهِ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ , وَمَعَ هَذَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِيَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ , وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ , فَلْيُنْزِلْ الْمُفْتِي نَفْسَهُ فِي مَنْزِلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ الثَّلَاثِ , وَلْيَقُمْ بِوَاجِبِهَا ; فَإِنَّ الدِّينَ دِينُ اللَّهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلَا بُدَّ سَائِلُهُ عَنْ كُلِّ مَا أَفْتَى بِهِ , وَهُوَ مُوقَرَةٌ عَلَيْهِ , وَمُحَاسَبٌ وَلَا بُدَّ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[يُفْتِي الْمُفْتِي بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ الصَّوَابُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَذْهَبِهِ] الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَ [ة] لِيَحْذَرْ الْمُفْتِي الَّذِي يَخَافُ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُفْتِيَ السَّائِلَ بِمَذْهَبِهِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ , وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَرْجَحَ مِنْ مَذْهَبِهِ وَأَصَحَّ دَلِيلًا , فَتَحْمِلُهُ الرِّيَاسَةُ عَلَى أَنْ يَقْتَحِمَ الْفَتْوَى بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِ ; فَيَكُونُ خَائِنًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِلسَّائِلِ وَغَاشًّا لَهُ , وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ , وَحَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ وَهُوَ غَاشٌّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ , وَالدِّينُ النَّصِيحَةُ , وَالْغِشُّ مُضَادٌّ لِلدِّينِ كَمُضَادَّةِ الْكَذِبِ لِلصِّدْقِ وَالْبَاطِلِ لِلْحَقِّ , وَكَثِيرًا مَا تَرِدُ الْمَسْأَلَةُ نَعْتَقِدُ فِيهَا خِلَافَ الْمَذْهَبِ فَلَا يَسَعُنَا أَنْ نُفْتِيَ بِخِلَافِ مَا نَعْتَقِدُهُ فَنَحْكِيَ الْمَذْهَبَ الرَّاجِحَ وَنُرَجِّحَهُ , وَنَقُولُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ , وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي إلْقَاءُ الْمُسْتَفْتِي فِي الْحَيْرَةِ] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي التَّرْوِيجُ وَتَخْيِيرُ السَّائِلِ وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْإِشْكَالِ وَالْحَيْرَةِ , بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ بَيَانًا مُزِيلًا لِلْإِشْكَالِ , مُتَضَمِّنًا لِفَصْلِ الْخِطَابِ , كَافِيًا فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ , لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى غَيْرِهِ , وَلَا يَكُونُ كَالْمُفْتِي الَّذِي سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْمَوَارِيثِ فَقَالَ: يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَتَبَهُ فُلَانٌ. وَسُئِلَ آخَرُ عَنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ: تُصَلَّى عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ , وَإِنْ كَانَ هَذَا أَعْلَمَ مِنْ الْأَوَّلِ. وَسُئِلَ آخَرُ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ الزَّكَاةِ فَقَالَ: أَمَّا أَهْلُ الْإِيثَارِ فَيُخْرِجُونَ الْمَالَ كُلَّهُ , وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيُخْرِجُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ , أَوْ كَمَا قَالَ. وَسُئِلَ آخَرُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: فِيهَا قَوْلَانِ , وَلَمْ يَزِدْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَكَانَ عِنْدَنَا مُفْتٍ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا يُفْتِي فِيهَا حَتَّى يَتَقَدَّمَهُ مَنْ يَكْتُبُ , فَيَكْتُبُ هُوَ: جَوَابِي فِيهَا مِثْلُ جَوَابِ الشَّيْخِ , فَقُدِّرَ أَنَّ مُفْتِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي جَوَابٍ , فَكَتَبَ تَحْتَ جَوَابِهِمَا: جَوَابِي مِثْلُ جَوَابِ الشَّيْخَيْنِ , فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمَا قَدْ تَنَاقَضَا , فَقَالَ: وَأَنَا أَتَنَاقَضُ كَمَا تَنَاقَضَا , وَكَانَ فِي زَمَانِنَا رَجُلٌ مُشَارٌ إلَيْهِ بِالْفَتْوَى , وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي مَذْهَبِهِ , وَكَانَ نَائِبَ السُّلْطَانِ يُرْسِلُ إلَيْهِ فِي الْفَتَاوَى فَيَكْتُبُ: يَجُوزُ كَذَا , أَوْ يَصِحُّ كَذَا , أَوْ يَنْعَقِدُ بِشَرْطِهِ , فَأَرْسَلَ إلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: تَاتِينَا فَتَاوَى مِنْك فِيهَا يَجُوزُ أَوْ يَنْعَقِدُ أَوْ يَصِحُّ بِشَرْطِهِ , وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَرْطَهُ , فَإِمَّا أَنْ تُبَيِّنَ شَرْطَهُ , وَإِمَّا أَنْ لَا تَكْتُبَ ذَلِكَ. وَسَمِعْت شَيْخَنَا يَقُولُ: كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَذَا الشَّرْطِ , فَإِنَّ أَيَّ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ يَكْتُبُ فِيهَا يَجُوزُ بِشَرْطِهِ أَوْ يَصِحُّ بِشَرْطِهِ أَوْ يُقْبَلُ بِشَرْطِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ , وَهَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ , وَلَا يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا سِوَى حَيْرَةِ السَّائِلِ وَتَبَلُّدِهِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي فَتَاوِيهِ: يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى رَايِ الْحَاكِمِ , فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ , وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ شُرَيْحًا وَأَشْبَاهَهُ لَمَا كَانَ مَرَدُّ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى رَايِهِ فَضْلًا عَنْ حُكَّامِ زَمَانِنَا فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: فِيهَا خِلَافٌ , فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَعْمَلُ الْمُفْتِي؟ فَقَالَ: يَخْتَارُ لَهُ الْقَاضِي أَحَدَ الْمَذْهَبَيْنِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: كُنْت عِنْدَ أَبِي السَّعَادَاتِ بْنِ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيِّ , فَحَكَى لِي عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: فِيهَا قَوْلَانِ , فَأَخَذَ يُزْرِي عَلَيْهِ , وَقَالَ: هَذَا حَيْدٌ عَنْ الْفَتْوَى , وَلَمْ يَخْلُصْ السَّائِلُ