مَذْهَبُ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ وَاتِّبَاعِ مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ صَحِيحُ النَّظَرِ , فَقَالَ: لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ سَعَةٌ , إنَّمَا هُوَ: خَطَأٌ أَوْ صَوَابٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ , وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ , وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ: تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ وَاجِبٌ , يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ , وَأَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا عَلَيْهِ , وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مَذْهَبٌ ثَابِتٌ , وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ سَلَّمْنَا لَهُمْ , وَإِذَا جَاءَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ - ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ - فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ بِدُونِ إجْمَاعٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْقِيَاسُ , فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى قِيَاسٍ لَيْسَ مَعَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ , وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ , وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ. وَقَالَ: وَأَقْوَالُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عليه السلام إذَا تَفَرَّقُوا نَصِيرُ مِنْهَا إلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ , أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ , أَوْ كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ. وَإِذَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الْقَوْلَ لَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ لَهُ مُوَافَقَةً وَلَا خِلَافًا صِرْت إلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ وَاحِدِهِمْ. إذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا , وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا وَلَا شَيْئًا يُحْكَمُ بِحُكْمِهِ أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ ; لِأَنَّهُ لَا مَحْمَلَ لِمُخَالَفَتِهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ , فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَا قَالَهُ إلَّا تَوْقِيفًا , وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ , قَالَ: وَمَسَائِلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ تَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ.
فَصْلٌ وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فَإِنْ انْتَشَرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فِي زَمَانِهِمْ فَهِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ تَنَازَعُوا رُدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ , وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِهِمْ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا وَلَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ , وَلَمْ يَنْتَشِرْ , فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ , وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَحْتَجُّونَ بِهِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ , الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَفِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ , وَلَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ
1044 - 20 مَسْأَلَةٌ: وَرَدَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْبَهَانَ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ , وَسُئِلَ أَنْ يَشْرَحَ مَا ذَكَرَهُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ حَمْدَانَ فِي آخِرِ كِتَابِ الرِّعَايَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ:"مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ أَوْ تَقْلِيدٍ أَوْ عُذْرٍ آخَرَ". وَيُبَيِّنَ لَنَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا مِنْ كَوْنِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ يُذْكَرُ فِيهَا فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُقْنِعِ وَالرِّعَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهِدَايَةِ رِوَايَتَانِ أَوْ وَجْهَانِ وَلَمْ يُذْكَرْ الْأَصَحُّ وَالْأَرْجَحُ , فَلَا نَدْرِي بِأَيِّهِمَا نَاخُذُ , وَإِنْ سَأَلُونَا عَنْهُ أَشْكَلَ عَلَيْنَا؟.
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَمَّا هَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا رِوَايَتَانِ أَوْ وَجْهَانِ وَلَا يُذْكَرُ فِيهَا الصَّحِيحُ فَطَالِبُ الْعِلْمِ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبٍ أُخْرَى , مِثْلُ: كِتَابِ التَّعْلِيقِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى , وَالِانْتِصَارِ لِأَبِي الْخَطَّابِ , وَعُمْدَةِ الْأَدِلَّةِ لِابْنِ عَقِيلٍ ; وَتَعْلِيقِ الْقَاضِي يَعْقُوبَ الْبَرْزِينِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الزَّاغُونِيِّ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكُتُبِ الْكِبَارِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مَسَائِلُ الْخِلَافِ وَيُذْكَرُ فِيهَا الرَّاجِحُ. وَقَدْ اُخْتُصِرَتْ رُءُوسُ مَسَائِلِ هَذِهِ الْكُتُبِ فِي كُتُبٍ مُخْتَصَرَةٍ مِثْلِ: رُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى , وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِلشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ , وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِأَبِي الْخَطَّابِ , وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِلْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْبَرَكَاتِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِمَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَا رَجَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ. وَمِمَّا يُعْرَفُ مِنْهُ ذَلِكَ: كِتَابُ الْمُغْنِي لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ , وَكِتَابُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِجَدِّنَا أَبِي الْبَرَكَاتِ. وَقَدْ شَرَحَ الْهِدَايَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَأَبِي حَلِيمٍ النِّهْرَوَانِيِّ , وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَّةَ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ الْخَطِيبِ عَمِّ أَبِي الْبَرَكَاتِ