بِالصَّوَابِ مِنْهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ؟ وَمَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِهَذَا فَلْيَعْزِلْهَا مِنْ الدِّينِ وَالْعَمَلِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ} وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ لِكَيْ لَا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ , فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ الصَّحَابِيُّ فِي حُكْمٍ , وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ نَاطِقٌ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَّةِ قَائِمٌ بِالْحَقِّ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُمْ بَيْنَ سَاكِتٍ وَمُخْطِئٍ , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ قَائِمٌ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ , وَلَا مَنْ يَامُرُ فِيهِ بِمَعْرُوفٍ أَوْ يَنْهَى فِيهِ عَنْ مُنْكَرٍ , حَتَّى نَبَغَتْ نَابِغَةٌ فَقَامَتْ بِالْحُجَّةِ وَأَمَرَتْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَتْ عَنْ الْمُنْكَرِ , وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: إنَّهُمْ إذَا قَالُوا قَوْلًا أَوْ بَعْضُهُمْ ثُمَّ خَالَفَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ مُبْتَدِئًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ وَمُبْتَدِعًا لَهُ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ: صلى الله عليه وسلم {عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي , تَمَسَّكُوا بِهَا , وَعُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ , وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ , فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} وَقَوْلُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ يُخَالِفُهُمْ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا , فَقَدْ كُفِيتُمْ , فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ , وَقَالَ أَيْضًا: إنَّا نَقْتَدِي وَلَا نَبْتَدِي , وَنَتَّبِعُ وَلَا نَبْتَدِعُ , وَلَنْ نَضِلَّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ. وَقَالَ أَيْضًا: إيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ , وَعَلَيْكُمْ بِالدِّينِ الْعَتِيقِ وَقَالَ أَيْضًا: أَنَا لِغَيْرِ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ الدَّجَّالِ , أُمُورٌ تَكُونُ مِنْ كُبَرَائِكُمْ , فَأَيُّمَا مِرْيَةَ أَوْ رُجَيْلٍ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَالسَّمْتَ الْأَوَّلَ , فَالسَّمْتَ الْأَوَّلَ , فَأَنَا الْيَوْمَ عَلَى السُّنَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ ; فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا , وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ , وَقَالَ أَيْضًا: اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ , فَإِنَّك لَنْ تَضِلَّ مَا أَخَذْت بِالْأَثَرِ , وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يُقَالُ عَلَيْكُمْ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالْأَثَرِ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ , وَقَالَ شُرَيْحٌ: إنَّمَا أَقْتَفِي الْأَثَرَ , فَمَا وَجَدْت قَدْ سَبَقَنَا إلَيْهِ غَيْرُكُمْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَوْ بَلَغَنِي عَنْهُمْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَاوِزُوا بِالْوُضُوءِ ظُفُرًا مَا جَاوَزْته بِهِ , وَكَفَى عَلَى قَوْمٍ وِزْرًا أَنْ تُخَالِفَ أَعْمَالُهُمْ أَعْمَالَ أَصْحَابِ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعْ النَّاسُ بِدْعَةً إلَّا وَقَدْ مَضَى فِيهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ وَعِبْرَةٌ مِنْهَا , وَالسُّنَّةُ مَا اسْتَنَّهَا إلَّا مَنْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ , فَارْضَ لِنَفْسِك مَا رَضِيَ الْقَوْمُ. وَقَالَ أَيْضًا: قِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ , وَقُلْ كَمَا قَالُوا , وَاسْكُتْ كَمَا سَكَتُوا ; فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا , وَبِبَصَرٍ نَاقِدٍ كَفُّوا , وَهُمْ عَلَى كَشْفِهَا كَانُوا أَقْوَى , وَبِالْفَضْلِ لَوْ كَانَ فِيهَا أَحْرَى. أَيْ فَلَئِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَلَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إلَيْهِ , وَلَئِنْ قُلْتُمْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ فَمَا أَحْدَثَهُ إلَّا مَنْ سَلَكَ غَيْرَ سَبِّ يَلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ , وَإِنَّهُمْ لَهُمْ السَّابِقُونَ , وَلَقَدْ تَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَكْفِي , وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي , فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ , وَلَا فَوْقَهُمْ مُجَسِّرٌ , وَلَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا , وَطَمَحَ آخَرُونَ عَنْهُمْ فَغَلَوْا , وَإِنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ. وَقَالَ أَيْضًا كَلَامًا كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ يَسْتَحْسِنُونَهُ وَيُحَدِّثُونَ بِهِ دَائِمًا , قَالَ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِوُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَتِهِ وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِهِ , لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي رَايِ مَنْ خَالَفَهَا , فَمَنْ اقْتَدَى بِمَا سَنُّوا فَقَدْ اهْتَدَى , وَمَنْ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ , وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ; وَمِنْ هُنَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ الِاحْتِجَاجَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: عَلَيْك بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَك النَّاسُ , وَإِيَّاكَ وَآرَاءَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهَا لَك بِالْقَوْلِ , وَقَالَ أَيْضًا: مَا حَدَّثُوك بِهِ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَخُذْهُ وَمَا حَدَّثُوك بِهِ عَنْ رَايِهِمْ فَانْبِذْهُ فِي الْحُشِّ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: اصْبِرْ نَفْسَك عَلَى السُّنَّةِ , وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ , وَاسْلُكْ سَبِيلَ سَلَفِك الصَّالِحِ ,