فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 129

الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما {أَنَّهُ وَضَعَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَضُوءًا , فَقَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ , فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ} وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {ضَمَّنِي إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ} . وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا بَلْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُفْتِيَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِدَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ قَطْعًا أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ وَيَعْلَمَهُ الْحِكْمَةَ وَلَا يُخَالِفَهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَيَكُونُ فِيهَا عَلَى خَطَأٍ وَيُفْتِي وَاحِدٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ فَتْوَاهُ وَيَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ , فَيَظْفَرُ بِهِ هُوَ وَمُقَلِّدُوهُ , وَيُحْرَمُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالصَّحَابَةُ.

الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعَةِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم , وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهَا قَوْلًا , وَأَفْتَى بِفُتْيَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَفُتْيَاهُ أَشْهَرُ فِي الْبَاقِينَ وَلَا أَنَّهُمْ خَالَفُوهُ , وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: مَنْ تَأَمَّلَ الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ , وَالْحَوَادِثَ الْفَرْعِيَّةَ , وَتَدَرَّبَ بِمَسَالِكِهَا , وَتَصَرَّفَ فِي مَدَارِكِهَا , وَسَلَكَ سُبُلَهَا ذُلُلًا , وَارْتَوَى مِنْ مَوَارِدِهَا عَلَلًا وَنَهَلًا , عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قَدْ تَشْتَبِهُ فِيهَا وُجُوهُ الرَّايِ بِحَيْثُ لَا يُوثَقُ فِيهَا بِظَاهِرٍ مُرَادٍ , أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ وَيُثْلَجُ لَهُ الْفُؤَادُ , بَلْ تَتَعَارَضُ فِيهَا الظَّوَاهِرُ وَالْأَقْيِسَةُ عَلَى وَجْهٍ يَقِفُ الْمُجْتَهِدُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلظَّنِّ رُجْحَانٌ بَيِّنٍ , لَا سِيَّمَا إذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ ; فَإِنَّ عُقُولَهُمْ مِنْ أَكْمَلِ الْعُقُولِ , وَأَوْفَرِهَا فَإِذَا تَلَدَّدُوا وَتَوَقَّفُوا , وَلَمْ يَتَقَدَّمُوا , وَلَمْ يَتَأَخَّرُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ وَاضِحَةٌ وَلَا حُجَّةٌ لَائِحَةٌ ; فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا قَوْلٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَاَلَّذِينَ هُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ , وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ , وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم , وَقَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَعَرَفُوا التَّاوِيلَ وَنِسْبَةُ مَنْ بَعْدِهِمْ فِي الْعِلْمِ إلَيْهِمْ كَنِسْبَتِهِمْ إلَيْهِمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ كَانَ الظَّنُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِأَنَّ الصَّوَابَ فِي جِهَتِهِمْ وَالْحَقَّ فِي جَانِبِهِمْ مِنْ أَقْوَى الظُّنُونِ , وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ , هَذَا مَا لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ مُنْصِفٌ. وَكَانَ الرَّايُ الَّذِي يُوَافِقُ رَايَهُمْ هُوَ الرَّايَ السَّدَادَ الَّذِي لَا رَايَ سِوَاهُ , وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي الْحَادِثَةِ إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ رَاجِحٌ وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى اسْتِصْحَابٍ أَوْ قِيَاسِ عِلَّةٍ أَوْ دَلَالَةٍ أَوْ شَبَهٍ أَوْ عُمُومٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَحْفُوظٍ مُطْلَقٍ أَوْ وَارِدٍ عَلَى سَبَبٍ ; فَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَنَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُخَالَفْ أَرْجَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الظُّنُونِ كَحُصُولِ الْأُمُورِ الْوِجْدَانِيَّةِ , وَلَا يَخْفَى عَلَى الْعَالِمِ أَمْثِلَةُ ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ قَوْلًا أَوْ حَكَمَ بِحُكْمٍ أَوْ أَفْتَى بِفُتْيَا فَلَهُ مَدَارِكُ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنَّا , وَمَدَارِكُ نُشَارِكُهُ فِيهَا , فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَفَاهًا أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , فَإِنَّ مَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ عَنَّا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ , فَلَمْ يَرْوِ كُلٌّ مِنْهُمْ كُلَّ مَا سَمِعَ , وَأَيْنَ مَا سَمِعَهُ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه وَالْفَارُوقُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم إلَى مَا رَوَوْهُ؟ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ مِائَةَ حَدِيثٍ , وَهُوَ لَمْ يَغِبْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي شَيْءٍ مِنْ مَشَاهِدِهِ , بَلْ صَحِبَهُ مِنْ حِينِ بُعِثَ بَلْ قَبْلَ الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ , وَكَانَ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ بِهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ , وَكَذَلِكَ أَجِلَّةُ الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا سَمِعُوهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ , وَشَاهَدُوهُ , وَلَوْ رَوَوْا كُلَّ مَا سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوهُ لَزَادَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً , فَإِنَّهُ إنَّمَا صَحِبَهُ نَحْوَ أَرْبَعَ سِنِينَ , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْكَثِيرَ , فَقَوْلُ الْقَائِلِ"لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابِيِّ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَذَكَرَهُ"قَوْلُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْمِ وَأَحْوَالَهُمْ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُعَظِّمُونَهَا وَيُقَلِّلُونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ , وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الَّذِي سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِرَارًا , وَلَا يُصَرِّحُونَ بِالسَّمَاعِ , وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت