عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ , الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ". وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ"فَهَذِهِ أُمُورٌ خَاصَّةٌ يَجُوزُ خَفَاءُ مِثْلِهَا عَلَى هَؤُلَاءِ , فَلَا تَقْدَحُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيهَا فِي الْخَبَرِ , وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى: أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام فِيهِ , وَأَنَّهُ لَوْ قَدْ كَانَ بَلَغَهُمْ لَصَارُوا إلَيْهِ , وَتَرَكُوا رَايَهُمْ."
بَابٌ الْقَوْلُ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: كَثِيرًا مِمَّا أَرَى لِأَبِي يُوسُفَ فِي إضْعَافِ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ: الْقِيَاسُ كَذَا , إلَّا أَنِّي تَرَكْته لِلْأَثَرِ , وَذَلِكَ الْآثَرُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ نُظَرَائِهِ خِلَافُهُ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ (كَانَ) يَرَى"أَنَّ"تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَمَّا أَنَا فَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا يُحْفَظُ عَنْهُ ذَلِكَ , إنَّمَا الَّذِي يُحْفَظُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ سَلَّمْنَاهُ لَهُمْ , وَإِذَا اجْتَمَعَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ يُوجَدُ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: (إنَّ الْقِيَاسَ) فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقْتَ صَلَاةٍ: أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ , إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِمَا رُوِيَ (عَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَى) , فَتَرَكُوا الْقِيَاسَ لِفِعْلِ عَمَّارٍ , وَكَانَ أَبُو عُمَرَ الطَّبَرِيُّ يَحْكِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ: أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ , يُتْرَكُ لَهُ الْقِيَاسُ , إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِ خِلَافُهُ , قَالَ: وَكَانَ يُحْتَجُّ فِيهِ بِأَنَّ قِيَاسَ الصَّحَابِيِّ أَرْجَحُ مِنْ قِيَاسِنَا وَأَقْوَى , لِعِلْمِهِمْ بِأَحْوَالِ الْمَنْصُوصَاتِ بِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام فِي كَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِوُقُوعِ مُخْبَرِهِ. كَذَلِكَ اجْتِهَادُ الصَّحَابِيِّ لَمَّا كَانَ أَقْوَى مِنْ اجْتِهَادِنَا - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى رَأَيْنَا. قَالَ: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ نَصًّا وَتَوْثِيقًا , وَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَهُ اجْتِهَادًا , فَصَارَ لَهُ هَذِهِ الْمَزِيَّةُ فِي لُزُومِ تَقْلِيدِهِ , وَتَرْكِ قَوْلِنَا لِقَوْلِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ , وَتَرْكُ رَايِهِ لِقَوْلِهِ , وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى اجْتِهَادَ نَفْسِهِ (وَرَوَى دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ) , عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ , , وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ , وَكَانَ يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: بِأَنَّ هَذَا عِنْدَهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ , لِأَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَعْلَمُ وَأَعْرَفُ بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ , فَيَكُونُ تَقْلِيدُهُ إيَّاهُ ضَرْبًا مِنْ الِاجْتِهَادِ , يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُ مَنْ قَلَّدَهُ أَقْوَى وَأَوْثَقَ فِي نَفْسِهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا يُقَوِّي مَا حَكَيْنَاهُ: مِنْ حِجَاجِ أَبِي سَعِيدٍ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ , وَيَكُونُ لِتَقْدِيمِ قِيَاسِ الصَّحَابِيِّ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى اجْتِهَادِنَا فَضْلُ مَزِيَّةٍ بِمُشَاهَدَتِهِ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم , وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْوَالِ النُّصُوصِ , وَمَا نَزَلَتْ فِيهِ , وَعِلْمِهِ بِتَصَارِيف الْكَلَامِ , وَوُجُوهِ الْخِطَابِ الَّتِي لَا يَبْلُغُهَا عِلْمُنَا وَمَعْرِفَتُنَا , فَيَكُونُ قِيَاسُهُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِنَا. وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا: بِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي} قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرَ لُزُومِ تَقْلِيدِهِمَا , إذَا اتَّفَقَا عَلَى قَوْلٍ , إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ: عَلَى أَنَّهُمَا إذَا خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَلْزَمْ تَقْلِيدُهُمَا فَخَصَصْنَاهُ مِنْ اللَّفْظِ , , وَبَقِيَ حُكْمُهُ فِي لُزُومِ تَقْلِيدِهِمَا إذَا أَجْمَعَا عَلَى قَوْلٍ لَمْ يُخَالِفْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ مِنْ نُظَرَائِهِمَا , وَإِذَا لَزِمَ تَقْلِيدُهُمَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا - لَزِمَ. تَقْلِيدُ أَحَدِهِمَا , وَأَحَدُ الصَّحَابَةِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ , لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَيَدُلُّ أَيْضًا: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ} , فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمْ , وَأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ هُدًى , وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ مَحْكُومًا لَهُ بِالْهُدَى لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ فِي أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ,