وَلِلْقِيَاسِ مَدْخَلٌ فِي إثْبَاتِهِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُجَّةً , لَمَا جَازَ لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مُخَالَفَتُهُ , كَمَا أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَمَّا كَانَا حُجَّةً يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُمَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُمَا. فَقِيلَ لَهُ: بِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ , وَمَعَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ مَعَ كَوْنِ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةً عَلَيْنَا. فَمَا أَنْكَرَتْ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حُجَّةً , وَيَكُونُ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ حُجَّةً عَلَيْنَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ , فَأَجَابَ بِأَنَّ خِلَافَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ لِلْجَمَاعَةِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَنَظِيرُ مَا قُلْنَا: أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ يَشِذَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ , فَيُخَالِفُهُمْ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ إيَّاهُمْ , فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ , لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ انْعَقَدَ , وَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ فَلَا يُنْقِضُهُ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ إجْمَاعٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ , فَلَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ , فَلِذَلِكَ جَازَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مُخَالَفَتُهُ. قَالَ: وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو النَّاسَ إلَى تَقْلِيدِهِ وَاتِّبَاعِ قَوْلِهِ. (أَلَا تَرَى: أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَصَبْت الْحَقَّ , أَوْ كَلَامًا نَحْوَهُ , فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ , وَلَكِنْ لَمْ آلُ عَنْ الْحَقِّ) وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , فِي قَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا (فِي الْجَدِّ) : لَيْسَ رَايِي حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ , فِي نَفْيِ لُزُومِ تَقْلِيدِهِمْ. فَإِذَا لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ وُجُوبَ تَقْلِيدِهِمْ عَلَى النَّاسِ , فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقَلِّدَهُمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ الصَّحَابَةُ إنَّمَا مَنَعَتْ وُجُوبَ تَقْلِيدِهِمْ لِأَهْلِ عَصْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ , أَوْ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فَأَخْبَرُوا: أَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُقَلِّدَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ فِيهَا , وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ دُونَ التَّقْلِيدِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَرَى قَبُولَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ , (لَازِمًا) فِي الْمَقَادِيرِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ , وَالِاجْتِهَادِ. وَيُعْزِي ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِنَا , وَيَذْكُرُ مَسَائِلَ قَالُوا فِيهَا بِتَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ وَلُزُومِ قَبُولِ قَوْلِهِ , نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام: لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ , وَمَا رُوِيَ عَنْهُ (إذَا قَعَدَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) وَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ: أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ , وَأَنَّ أَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ (وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرِهِ(فِي أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) , وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ بِمِقْدَارِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ). قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ لِإِثْبَاتِ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالْمَقَايِيسِ وَكَانَ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفَ أَوْ الِاتِّفَاقَ , ثُمَّ وَجَدْنَا الصَّحَابِيَّ قَدْ قَطَعَ بِذَلِكَ وَأَثْبَتَهُ , دَلَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ: عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوْقِيفًا , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ تَخْمِينًا وَتَظَنُّنًا , فَصَارَ مَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ إنَّمَا يَلْزَمُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْوَاحِدِ فِيهِ , وَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ تَوْقِيفًا. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى إثْبَاتِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمَقَادِيرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَقَايِيسِ وَالرَّايِ وَأَنَّ طَرِيقَهُ التَّوْقِيفُ: أَنَّ هَذِهِ الْمَقَادِيرَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى , لَيْسَ عَلَى جِهَةِ إيجَابِ الْفَصْلِ (بَيْنَ) قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ , وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ , فَيَكُونُ مَوْكُولًا إلَى الِاجْتِهَادِ وَالرَّايِ , وَإِنَّمَا هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُبْتَدَأٌ , كَمَقَادِيرِ أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ , الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ , وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ , وَمَقَادِيرِ أَيَّامِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ , وَمِقْدَارِ الْجَلْدِ فِي الْحَدِّ , لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالْمَقَايِيسِ لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ , كَذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ تُثْبِتُونَ أَنْتُمْ مَقَادِيرَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ , وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى. فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ: ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ , وَقَالَ فِي الْغُلَامُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا: لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً , وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْفِيَ وَلَدَهُ مَا لَمْ تَمْضِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا , وَلَا تَوْقِيفَ لَهُمْ فِي إثْبَاتِ (شَيْءٍ مِنْ) هَذِهِ الْمَقَادِيرِ , وَلَا اتِّفَاقَ , فَأَثْبَتُوهَا مِنْ طَرِيقِ الرَّايِ وَالِاجْتِهَادِ. وَإِذَا كَانَ الرَّايُ وَالِاجْتِهَادُ يَدْخُلُ فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ