عُمَرَ: أَنَّهُ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْأَبْدَانِ. وَهَذَا تَاوِيلٌ مِنْهُ , فَلَا يَقْضِي تَاوِيلَهُ عَلَى مُرَادِ الْخَبَر. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: نَحْوُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام: فِي {غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا} . وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: مَا رُوِيَ {عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه: أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَ عُثْمَانُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْت النِّدَاءَ , فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّات , فَقَالَ عُمَرُ: وَلِلْوُضُوءِ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَامُرُنَا بِالْغُسْلِ} . فَأَخْبَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام أَمَرَ بِالْغُسْلِ , ثُمَّ قَالَ هُوَ: إنَّ الْوُضُوء يُجْزِئُ عَنْهُ , وَالْأَمْرُ بِالْغُسْلِ لَا يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْوُضُوءِ. فَعَلِمْنَا: أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ بِإِجْزَاءِ الْوُضُوءِ عَنْ الْغُسْلِ , إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فَحْوَى خِطَابِ النَّبِيِّ عليه السلام , وَمِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ , وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ. وَنَحْوُهُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ , عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه , عَنْ {النَّبِيِّ عليه السلام: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ} . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ:"لَمْ يَرْفَعْهُمَا"وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ , عَنْ {النَّبِيِّ عليه السلام: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ} . ثُمَّ رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ:"صَلَّى خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ , إلَّا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ"فَدَلَّ تَرْكُهُمَا الرَّفْعَ بَعْدَ النَّبِيِّ عليه السلام عَلَى: أَنَّهُمَا قَدْ عَرَفَا نَسْخَ الْأَوَّلِ , لَوْلَاهُ لَمَا تَرَكَاهُ , إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُظَنَّ بِهِمَا مُخَالَفَةُ سُنَّةٍ رَوَيَاهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا لَا احْتِمَالَ فِيهِ لِلتَّاوِيلِ. قَالَ عِيسَى: وَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إلَى غَيْرِهِ , فَالْعَمَلُ عَلَى الْخَبَرِ , دُونَ مَا رَوَى الصَّحَابِيُّ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام , أَنَّهُ قَالَ: {الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ , جَلْدُ مِائَةٍ , وَتَغْرِيبُ عَامٍ} وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ"نَفَى رَجُلًا , فَلَحِقَ بِالرُّومِ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَحَدًا". وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:"كَفَى بِالتَّفْرِقَةِ فِتْنَةً"فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا ثَابِتًا لَمَا تَرَكُوهُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ , وَمِثْلُهُ قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه:"مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا أَنْهَى عَنْهَا , إذَا صِرْت عَلَيْهَا. مُتْعَةِ النِّسَاءِ , وَمُتْعَةِ الْحَجِّ". قَالَ ابْنُ سِيرِينَ"هُمْ شَهِدُوا , وَهُمْ نَهَوْا عَنْهَا , فَمَا فِي رَايِهِمْ مَا يُرْغَبُ عَنْهُ , وَلَا فِي نَصِيحَتِهِمْ مَا يُتَّهَمُ". وَمِنْهَا: {أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَسَمَ خَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا} وَفَتَحَ عُمَرُ السَّوَادَ فَلَمْ يَقْسِمْهُ , وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ: أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه السلام فِي قِسْمَةِ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ حَتْمًا , لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ , لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ. وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ: {أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِالْمَدِينَةِ} . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:"إنْ جَمَعَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ"وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ مُخَالِفُنَا ثَابِتًا - لَمَا خَفَى مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه , وَهُوَ يَصْحَبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَفِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رحمه الله نَسْخُ التَّطْبِيقِ , وَكَانَ يُطَبِّقُ بَعْدَ النَّبِيِّ عليه السلام , مَعَ قُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْ النَّبِيِّ , وَمُلَازَمَتِهِ إيَّاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّطْبِيقِ عَمْدًا , وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ لَفْظَ النَّبِيِّ عليه السلام فِيهِ عَلَى الرُّخْصَةِ , لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ:"شَكَا إلَيْهِ مَشَقَّةَ التَّطْبِيقِ فَقَالَ: {اسْتَعِينُوا بِالرَّكْبِ} . وَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ: التَّرْخِيصُ , فَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَكَانَ عِنْدَهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ , فَاخْتَارَهُ , لِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى الْمُصَلِّي. قَالَ عِيسَى: فَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الصَّحَابِيِّ: فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام {أَنَّهُ: رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ طَوَافِ الصَّدْرِ} وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:"تُقِيمُ حَتَّى تَطْهُرَ فَتَطُوفَ". وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَى عُمَرَ. فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ {النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ: أَمَرَ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ} وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ:"لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ", وَمِثْلُهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ , فَلَا يُعْتَرَضُ بِخِلَافِهِ عَلَى الْخَبَرِ , وَلَا يُوهِنُهُ. وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام"فِي الْحَجِّ