فَقَالَ:"فِيهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ , فَقَالَ: فَإِذَا كُنَّ أَرْبَعًا. فَقَالَ: فِيهَا أَلْفَا دِرْهَمٍ. قُلْت: لَمَّا كَثُرَ جُرْحُهَا وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ أَرْشُهَا؟ فَقَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ هَكَذَا السُّنَّةُ"وَإِنَّمَا مَخْرَجُ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , فَسَمَّاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ سُنَّةً. وَحُكِيَ لَنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ:"إذَا قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ كَذَا , فَإِنَّمَا يُرِيدُ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ , وَكَانَ عَرِيفَ السُّوقِ". وَأَمَّا إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا , أَوْ نَهَانَا عَنْ كَذَا , وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَا , أَوْ قَالَ هَذِي سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَابَى أَنْ يُوجِبَ بِمِثْلِهِ حُكْمًا , حَتَّى يَحْكِيَ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَيْنِهِ , لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ لَفْظًا يَحْتَمِلُ الْمَعَانِي , فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ , وَنَحْنُ فَلَا يَلْزَمُنَا تَاوِيلُهُ , لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَذْهَبِ بَعْضِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. وَقَالَ آخَرُونَ: حُكْمُ مَا هَذَا سَبِيلُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ ثَابِتٌ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُولُ عَنْهُ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ , لِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَمِمَّنْ يُوثَقُ بِضَبْطِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَهُوَ يَعْرِفُ مَا يَحْتَمِلُ التَّاوِيلَ مِنْ الْأَلْفَاظِ , مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ. فَلَوْ كَانَ مَصْدَرُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَهُ عَنْ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ التَّاوِيلَ لَبَيَّنَ حِكَايَةَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ , فَلَمَّا اقْتَصَرَ عَلَى إجْمَالِ ذِكْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلِمْنَا: أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَا حَكَيْنَاهُ. وَلَوْ سَاغَ الِاعْتِبَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَائِلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - لَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ إذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"كَيْتَ وَكَيْتَ", لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرْوِي نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. مِنْهُمْ: الْحَسَنُ , وَالشَّعْبِيُّ , وَغَيْرُهُمَا. وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى نَقْلَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ , فَيَجُوزُ عَلَى مَوْضُوعِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا إنَّمَا حَكَى مَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام , لَا لَفْظَهُ بِعَيْنِهِ , لِأَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ رحمه الله كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ , فَلَمَّا أَبْطَلَ ذَلِكَ. وَكَانَ قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كَذَا. مَحْمُولًا عَلَى حِكَايَةِ لَفْظٍ وَحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ , وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ:"أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا: وَنَهَانَا عَنْ كَذَا , وَسَنَّ لَنَا كَذَا , عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ"كَأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام بِعَيْنِهِ. وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم تَكْتَفِي فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَحْكَامَهُ , وَسَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِسَمَاعِ هَذَا اللَّفْظِ , فِيمَا يَزِيدُ مَعْرِفَةً مِنْ النُّصُوصِ وَالسُّنَنِ , أَلَا تَرَى: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ , قَالَ: {أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا كُنَّا سَفَرًا: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا , لَيْسَ الْجَنَابَةَ , لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ} فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَمْرِ مُجْمَلًا , دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِ أَمْرِ النَّبِيِّ عليه السلام , وَقَنَعَ السَّائِلُ أَيْضًا مِنْهُ بِذَلِكَ , دُونَ مُطَالَبَتِهِ بِإِيرَادِ لَفْظِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: {كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَاسًا , حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهَا , فَتَرَكْنَاهَا} فَاكْتَفَى مِنْهُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ النَّهْيِ , دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِ النَّبِيِّ عليه السلام. وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ , يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ , وَمِنْ نَحْوِهِ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لِلصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ , حِينَ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: السُّنَّةُ , ثُمَّ سَأَلَهُ عُمَرُ رضي الله عنه عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:"هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك"وَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ إضَافَتِهِ السُّنَّةَ إلَى النَّبِيِّ: إلَى حِكَايَةِ لَفْظِهِ أَوْ فِعْلِهِ."
بَابٌ الْقَوْلُ فِي الصَّحَابِيِّ إذَا رَوَى خَبَرًا ثُمَّ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ التَّاوِيلَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تَاوِيلِ الصَّحَابِيِّ وَلَا غَيْرِهِ , وَأَمْضَى الْخَبَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ , إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ صَرْفِهِ إلَى مَا يُؤَوِّلُهُ الرَّاوِي. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَرْوِيَهُ ثُمَّ يَقُولَ بِخِلَافِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّاوِيلَ , وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْهُ. فَهَذَا يَدُلُّ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ نَسْخُ الْخَبَرِ , أَوْ عُقِلَ مِنْ ظَاهِرِ حَالِهِ: أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ النَّدْبَ , دُونَ الْإِيجَابِ. فَالْأَوَّلُ: نَحْوُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: {الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا} . وَالتَّفْرِيقُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ , وَيَكُونُ بِالْفِعْلِ , وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ. وَكَانَ مَذْهَبُ ابْنِ