الصفحة 5 من 37

ومن نظر وتأمل فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك الصحابة والتابعين من مبادرتهم بأداء الحج واستنفارهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دل ذلك على تأكيده، وهذا ظاهر بين، ومن نظر إلى من جاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم من الفجاج والطرق، وجاء من نجد ومن اليمن وغيرها تبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واقتداء به، بل تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء وهن في أشهرهن الأخيرة من الحمل، كما في قصة أسماء بنت عميس كما جاء في الصحيح وغيره.

من شروط وجوب الحج: البلوغ والعقل، وقد ذكر بعض العلماء عن بعض الأئمة الأربعة أنه لا يرى صحة حج الصبي، كما نقل ابن بطة عن أبي حنيفة عليه رحمة الله تعالى، فهذا القول فيه نظر؛ فأبو حنيفة ممن يقول بصحة حج الصبي، كما نقل الإجماع على ذلك الطحاوي عليه رحمة الله تعالى -وهو حنفي- في كتابه شرح معاني الآثار، فقال: أجمع العلماء على صحة حج الصبي. وهو من أئمة الحنفية، ومن أعلم الناس بأقوال أبي حنيفة عليه رحمة الله، ولعل ما نقله ابن بطة عليه رحمة الله تعالى من الوهم، أو أراد من كان صِغره شديدًا كمن كان في مهده ونحو ذلك، فإن هذا أيضًا فيه نظر لمعارضته لصريح الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمجنون قد ذهب الإمام أحمد في رواية - وهو الصواب - إلى أن حجه صحيح، ويكتب له الأجر؛ قياسًا على الصبي، وإنما جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبي؛ لأن ورود الجنون على الناس نادر جدًا، وأما الصبي والصغير فيكثر فلا تخلو دار من صبي صغير؛ ولهذا ورد السؤال عن الصبي ولم يرد السؤال عن المجنون؛ لقلة وروده، والقياس هنا معتبر، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بأخذه خاصة فيما يتعلق الأجور وسعة رحمة الله سبحانه وتعالى؛ ولذا قال الله جل وعلا: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت