ومن كان دون المواقيت فإن مهله من موضعه: من داره، من قريته، من بلدته، كأصحاب الحرة، وبحرا وغيرهم، فإنهم يحرمون منه، وكذلك أهل جدة يحرمون من مكانهم، ولا شيء عليهم في الحج والعمرة، وأهل مكة من مكة في الحج فقط، بخلاف العمرة، العمرة باتفاق العلماء أنهم يجب عليهم أن يخرجوا إلى الحل لا أن يحرموا من أماكنهم باتفاق العلماء، ولا أعلم من خالف في ذلك إلا بعض المتأخرين كالإمام الصنعاني عليه رحمة الله، ولا أعلم من سبقه إلى هذا القول سوى ما يُفهم من كلام البخاري عليه رحمة الله تعالى قال: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة. فأورد حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، وأهل مكة من مكة) قيل: إنه يرى هذين، وهذا فيه نظر، الإمام البخاري عليه رحمة الله تعالى صاحب اقتداء، وصاحب سنة، وصاحب اتباع حتى للصحابة، فهو يورد ربما بعض المعلقات التي فيها ضعف؛ استئناسًا لقوله. فأهل مكة يجب عليهم أن يخرجوا إلى الحل في العمرة فقط، أما في الحج بالاتفاق أنهم يهلون من بيوتهم، وهذا هو ميقاتهم.
وإهلال الإنسان عن نفسه أو عن غيره لا يشترط في صحته شيء، وأما ما يشترطه بعض الفقهاء -وهو رواية عن الإمام أحمد، وظاهر المذهب، وقال به إسحاق وغيره- من أن الإنسان إذا لم يحج عن نفسه، وأراد أن يهل بالحج عن غيره أن حجه ينصرف إلى نفسه، ويجب عليه أن يحج عمن استنابه، وهذا فيه نظر، ولا دليل عليه، بل إن حجه عمن استنابه هو آثم إذا كان مستطيعًا، وجاء إلى البيت العتيق ولم يحج عن نفسه؛ لأنه قد فرط. وأما حديث (لبيك عن شبرمة) فهذا حديث لا يصح مرفوعًا، بل الصواب فيه الوقف باتفاق النقاد كأحمد و ابن معين و ابن المنذر و الطحاوي و الدارقطني وغيرهم.