وهذا قد وجد من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, وهم خير الخلق بعد الأنبياء؛ كما جاء في الصحيح من حديث عامر عليه رحمة الله: (أن عديًا قال: لما أنزل الله جل وعلا: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] , فقال: عمدت إلى عقالين أو إلى حبلين, فوضعتهما تحت وسادتي فكنت أنظر إليها, فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأمر ليس على هذا, وإنما هو سواد الليل وبياض النهار) . فإذا علمنا أن علي بن أبي طالب لم يكن من أهل المدينة في حال ورود القرآن وإنما كان من الآفاق, فنزل النص على غير مصطلحه, وعلى غير الحالة التي كان عليها, فأرجع تفسير ذلك اللفظ إلى لغة العرب. فتفسيره من جهة الحق والتأويل صحيح, فهو تفسير عربي يرجع إلى كلام العرب, ولكنه من جهة مراد التنزيل وسبب النزول خاطئ, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس كذلك) , يعني: ليس على هذا المعنى. وبه نعلم أن سبب نزول القرآن هو على معنيين: سبب نزول مخصوص معين, سواء كان ذلك بحالة معينة أو على فرض معين, وذلك أن كثيرًا من الآي يرد سبب نزوله في كلام العلماء على فرض معين, كما جاء مثلًا في مسألة حلق الشعر في حال كعب بن عجرة لما آذاه هوام رأسه, وهذا سبب نزول الآية. وهذا السبب إنما هو لبيان المعنى المقصود. وكذلك فهم فقه هذه الآية. وأما السبب الثاني الدقيق الذي لا يكاد يدركه إلا العلماء الخلص: أن يعرف الإنسان الحال عند نزول الآية, والحال في ذلك أن يعرف المصطلح الذي كانوا عليه, وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بفهم مجموع الشريعة من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيجمع الإنسان الألفاظ المتشابهة, ويلحق بعضها مع بعض, حتى يدرك المراد من سياق الآية ودلالتها.