وسبب عدم عناية العلماء بذلك، يقال: إن العلماء من جهة لم يوردوا ويصنفوا كتبًا في التفسير واشترطوا في ذلك الصحة على الإطلاق إلا ما كان من بعض إطلاقات ابن أبي حاتم في كتابه التفسير, وعليه مؤاخذات في هذا الإطلاق في بعض المواضع, وإن كان هو أمثل من غيره وأدق. والسبب في ذلك أن تعامل العلماء مع مرويات التفسير ومنها أسباب النزول هو دون التعامل مع أحاديث الأحكام، ما يتعلق في أصول الديانة وما يتعلق في الأحكام الفقهية؛ فإنهم يتساهلون في ذلك أكثر من تساهلهم في أبواب الأحكام, ولهذا اعتنى الأئمة بأحكام الدين, فصنعوا في ذلك الصحيح واعتنى الأئمة بهذا. ولكن يقال: إن طالب العلم ينبغي أن يعتني بأسباب النزول في الكتب التي اعتنى الأئمة بصحتها إسنادًا, وهذا كالصحيحين، وكذلك ما يليها قوة كالسنن الأربع وأمثالها, وثمة رسالة في أسباب النزول في الكتب الستة رواية ودراية, وقد جمعت في هذا، وهي من أمثل المصنفات لأحد الفضلاء من المعاصرين, وهي رسالة جيدة في بابها يحسن الرجوع إليها في هذا الباب. وإن كان الحكم فيها قد لا يتسق في بعض الأحيان مع نسق ونفس طرائق الأئمة الأوائل, وفيها شيء من التشدد في بعض الأبواب والتساهل في بعضها, وهذا يرجع فيه إلى طرائق الأئمة في أبواب التعديل. وثمة رسائل أيضًا عند بعض المتأخرين في هذا يأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى. طرائق الأئمة في أبواب التصنيف في هذا, فمنهم من اعتنى بالجمع والإكثار في كل ما ورد أنه سبب للنزول, وذلك كالإمام الواحدي في كتابه أسباب النزول, فإنه جمع فأوعى, وأكثر من ذلك، حتى إنه أورد في ذلك أسانيد فيها ظلمة ونكارة, وفيها من الوضاعين والكذابين وكذلك من المجاهيل ما ينبغي لطالب العلم أن يحترز من ذلك, وأن يعمل في الأسانيد على الطريقة التي تقدم الكلام عليها.