وذلك أن الإنسان إذا جهل سبب النزول اقترن ذلك بجهل المعنى, وأثمر في ذلك الخلاف, وإذا أثمر الخلاف أثمر الاقتتال والفرقة في الأمة, وهذا ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة, وهذا من الحكم العظيمة التي ينبغي للإنسان أن ينظر إليها, وأن يرجعها إلى أصلها, فإن من أراد ألفة وجماعة فليرجع إلى معرفة التأويل على وجهه. وقد روى عكرمة عن الأصم أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى كان جالسًا عند عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فجاء رجل من عمال عمر فسأله عمر: ما فعل الناس؟ فقال ذلك الرجل: قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا, فقال عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: لو لم يسرعوا هذه المسارعة لكان خيرًا, فزجره عمر بن الخطاب , قال عبد الله بن عباس: فذهبت مهمومًا على وجهي, فدخلت داري حتى زارني أهلي وما بي من وجع, فقيل لي: أجب أمير المؤمنين, قال: فخرجت, فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ فقال عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: والله ما أردت إلا خيرًا, قال: إنما قال: إنه حفظ القرآن أو قرأ القرآن منهم كذا وكذا, وإنهم إذا أسرعوا في القرآن هذه المسارعة احتقوا؛ يعني: أخذوا بظاهر المعنى. ومعاني القرآن منها ما ظاهره يتبادر إلى الذهن في أول نظرة, وثمة أيضًا معان لا بد من الدخول فيها, وهذا أمر فطري في سائر المعلومات والمدركات، فإن الإنسان على سبيل المثال إذا رأى شخصًا يتبادر إلى ذهنه معنى عنه، ولكنه إذا سمع قوله ورأى فعله وأحواله دخل إليه من المعاني ما يعرف من أحواله ما هو أدق وأصح من نظرته الأولى له. كذلك أيضًا في أبواب المعاني يقول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: إنهم إذا أسرعوا في القرآن هذه المسارعة احتقوا, وإن احتقوا اختلفوا, وإن اختلفوا اختصموا, وإن اختصموا اقتتلوا, فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: لله أبوك! ما زلت أكتمها حتى قلتها.