ومن العلوم المدركة في قول عبد الله بن عباس: من آي القرآن ما لا يعذر أحد بجهله, والمراد بالأحدية هنا يعني: ممن نزل عليه القرآن, أو ممن لم ينزل عليه القرآن؛ لأنه يتبادر إلى الذهن بخلاف من أراد تعنتًا في أبواب الفهم, فإن الله سبحانه وتعالى حينما يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا [البقرة:21] , معلوم أن الخطاب هنا يتوجه إلى الخلق, فهذا نوع من التأويل, وأن الذي خاطبه هو الله جل وعلا, وأن الناس يشمل الذكر والأنثى. هذا خطاب وتأويل لا يعذر أحد بجهله, ولا يمكن أن يقول الإنسان: إن الخطاب في هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا [البقرة:21] , أن الله جل وعلا يريد به مخلوقات غير هذه المخلوقات, هذا معنى بعيد, وهو من المعاني التي قصد عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في قوله: لا يعذر أحد بجهله. النوع الثاني في قوله هنا: ما تعرفه العرب في كلامها, وما يعلم في أشعار العرب, وأعلى ذلك وأفضله هو لغة الحجاز, ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنزل عليه مجموع القرآن على لغة قريش, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وإنه لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44] , يعني: القرآن. قال غير واحد من المفسرين كما جاء عن عبد الله بن عباس: (لقومك) قريش. أي: أن الله جل وعلا رفعك ورفع قومك بهذه اللغة التي أنزل عليها القرآن. وهذا من الأمور التي تجعل طالب العلم إذا أراد أن يفسر القرآن ألا يرجع إلى ما يسمى بالقواميس والمعاجم, وثمة خلل في أبواب التأويل عند كثير من المتأخرين, وهو أنه إذا أراد أن يفهم موضعًا وخاصة في أبواب الأحكام أنه يرجع إلى القواميس والمعاجم اللغوية, هذا صحيح من جهة المجموع, أن تدرك شطرًا من المعنى.