ومواضع التأويل في كلام الله سبحانه وتعالى هي كما قال عبد الله بن عباس فيما رواه ابن جرير الطبري في أوائل كتابه التفسير, قال: تفسير القرآن على أربع: تفسير لا يعذر أحد بجهله, يعني: يعلمه كل أحد. وتفسير تعرفه العرب في كلامها. وتفسير يعلمه العلماء. وتفسير لا يعلمه إلا الله. والمراد بذكر هذه التقاسيم الثلاثة المدركة, وأما الرابع فهذا موضع خلاف, هل ثمة شيء من معاني القرآن لا يعلمه إلا الله جل وعلا, أي: جعل الله سبحانه وتعالى علم التأويل من خصائصه وليس لغيره، من العلماء من نفى ذلك, وقال: لا يمكن أن يوجد في القرآن باعتبار أن ذلك ينافي الحكمة من إنزال القرآن, لأن الله أنزل القرآن لأجل التعبد والتدبر, والتدبر هنا غير وارد؛ باعتبار أن الآية غير مرادة المعنى, وإنما يتعبد فيها بلفظها, ولكن نقول: إن المعاني التي يدخرها الله جل وعلا علمها لنفسه ولا تكون لغيره, نقول: لا يلزم من ذلك أن يكون المعنى غير ظاهر من ذات الآية, وإنما ثمة معنى زائد لا يعلمه إلا الله من هذه الآية, وثمة معنى وقدر معلوم من ذلك التأويل يدركه الإنسان, وهذا هو المراد، أن الآية يكون لها معنيان: المعنى الأول: معنى يدركه الإنسان, وهو مما يقتضي التدبر والتأمل, ومعنى زائد عن ذلك, وهو ما لا يدركه إلا الله سبحانه وتعالى. أما أن يكون ثمة آية لا يدركها إلا الله جل وعلا على الإطلاق بأولها وإنما يتلفظ بها الإنسان كما يتلفظ الأعجمي بالعربية ولا يدرك غيرها، فإن هذا منتف على قول جماعة من العلماء. وبهذا نستطيع أن نخرج من الخلاف في بعض الإطلاقات التي جاءت في كلام العلماء، أن من كلام الله ما هو متشابه مطلق, يعني: أنه لا يمكن أن يدركه أحد وإنما خصه الله جل وعلا لنفسه، والعلم عند الله في ذلك.