والاستقرارِ كقوله تعالى: ?وَاسْتَوَتْ على الجُوْدِيِّ? [هود: 44] ، ومع الاحتمال لا يكون حُجَّةً، لأن تأويلَ كلِّ مجتهدٍ لكونه ثابتًا بالرأي لا يكون حُجَّةً على غيره، على أن الترجيحَ للاستيلاء لأنه تعالى تمدَّحَ به، والاستواء للمدح فيما بينهم يُفهم منه الاستيلاء، وتخصيصُه باعتبار أعظم المخلوقات (1)
(1) من يقول بأن المرادَ بالاستواء الاستيلاءُ يقول بأنه استيلاءٌ مجرَّدٌ عن معنى المغالبة، كما في قوله تعالى: ?لِمَنِ المُلْكُ اليَومَ لله الواحِدِ القَهَّارِ? [غافر: 16] ، والملك لله في ذلك اليوم وقبله، فلا يَرِدُ عليه أنه كان غيرَ مستولٍ ثم استولى. وقد قرَّر شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى في «السيف الصقيل» ص98 ــ 99 أن المرادَ الاستيلاءُ بحق وكمال، وهو المعبَّر عنه باستواء كمال الملك، ثم قال: والمُقدِمُ على هذا التأويل لم يرتكب محذورًا ولا وَصَفَ اللهَ تعالى بما لا يجوز عليه.
واعلم أن هذا التأويل ليس قولَ المعتزلة وحدهم كما يُشيعه بعضهم، فقد جوَّزه (نقول: جوَّزوه تجويزًا وإن اختار بعضهم غيره من المعاني التي يحتملها لفظ «استوى» ) =
= الماتريدي في «التأويلات» 3: 285، وابن الهمام في «المسايرة» ص34، وأقرَّه ابنُ أبي شريف في «شرحها» . ونقله الإمام أبو المعين النسفي المتوفى سنة 508 في «تبصرة الأدلة» 1: 184 عن الماتريدية فقال: إن أصحابنا أوّلوا هذا التأويل ولم يختصَّ به المعتزلة. واختاره الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد» ص38، وابنُ قطلوبغا في «حاشيته» على «المسايرة» ص34، وأبو السعود في «تفسيره» 5: 3، وغيرهم.
وقريبٌ منه جدًا قول الإمام محمد بن جرير الطبري (ت310) رحمه الله تعالى في «تفسيره» 1: 192: «علا علوَّ مُلكٍ وسُلطان، لا علوَّ انتقال وزوال» وهو وإن قاله في تفسير قوله تعالى: ? ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ? [البقرة: 19] ، فقد أحال عليه في تفسير قوله: ? ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ? [الأعراف: 54] ، فتأمَّل.