الصفحة 80 من 141

وقولهم: القائمان بالذات يكون كلّ واحدٍ منهما بجهة من صاحبه لا محالة. قلنا: مطلقًا أم بشرط تناهيهما؟ الأول ممنوعٌ، والثاني مُسلّمٌ، لكن التناهي على الباري محالٌ.

وكلام الإمام رحمه الله يشير إلى مذهب السلف، فإنه قال: «نُقِرُّ بأن اللهَ استوى على العرشِ مِن غيرِ أن يكونَ له حاجةٌ واستقرَّ عليه» أي: من غير أن استقرَّ عليه، فإنه أقرَّ بالمُحتَمِل (1) وصَدَّقَه واعتقدَ حَقِّيَّتَه فيما هو عند الله تعالى، وأنكرَ المُحتَمَلَ المُخالِفَ لدليل العقل (2) ، ونفى في ضمن ذلك الاحتياجَ عن الباري تعالى، لأن الاحتياجَ يستلزمُ الاستكمال، وهو على الله محال.

(1) يعني الدليل النقليّ الذي يحتمل معانٍ منها ما يجوز في حق الله ومنها ما لا يجوز.

(2) أي أنكر المعنى الذي هو مُحتمَلٌ في اللفظ من جهة اللغة، لكنه مُخالِفٌ لدليل العقل، وهذا هو مذهب المفوِّضة من السلف: عدم تعيين المعنى المراد من اللفظ المتشابه الذي يحتمل عدَّة معانٍ، مع الجزم بنفي إرادة معناه الظاهر الذي لا يجوز على الله سبحانه. وهو المسمَّى بتفويض المعنى، وليس مذهبهم إثبات الحقيقة وتفويض الكيفية. وكونُ =

= التفويض في المعنى صريحٌ في كلامهم لمن تأمَّله بإنصاف، بل صريحٌ في كلام الذهبي، وانظر إن شئت «السير» 8: 105.

فأنت ترى أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله عن المعنى الظاهر الذي لا يليق به سبحانه، فالواجب التنزيه، ثم المكلّف بالخيار إن شاء فوَّض تعيين المعنى الكمالي المراد إلى الله سبحانه، وإن شاء حمل اللفظ على معنى كمالي مُحتَمَل يليق به سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت