والإيمانُ مخلوقٌ، لأن العبدَ بجميع أفعاله مخلوقٌ، ولا يجوزُ أن يكونَ الإيمانُ اسمًا للهداية أو التوفيق ــ وإن كان لا يُوجَدُ إلا بهما ــ كما زعم مَن قال إنه غيرُ مخلوق، لأنه مأمور به، والأمرُ إنما يكون بما هو داخلٌ تحتَ قدرتِهِ، وما كان كذلك كان مخلوقًا (1) .
قال: (والمؤمنُ مؤمنٌ حقًَّا، والكافرُ كافرٌ حقًَّا، وليسَ في الإيمانِ شكّ، كما أنه ليس في الكُفرِ شكّ، لقوله تعالى: ?أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حقًا? [الأنفال: 4] ، و?أولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حقًا? [النساء: 151] ، والعاصون من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم كلّهم مؤمنون وليسوا بكافرين) .
(1) من قال بأن الإيمانَ مخلوقٌ أراد به فِعلَ العبد ولفظَه، وهو صريح كلام الإمام هنا، ونقله ابن الهمام في «المسايرة» ص376 عن مشايخ سمرقند من الحنفية، وابنُ أبي شريف في «المسامرة» ص380 عن المحاسبي وجعفر بن حرب وابن كُلّاب وعبد العزيز المكي. ومن قال بأنه غير مخلوق ــ وهو ما نقله ابن الهمام عن مشايخ بخارى وفرغانة من الحنفية، وابنُ أبي شريف عن أحمد وجماعة من أهل الحديث، واختاره الكفويُّ في «الكليات» ــ أراد به كلمة الشهادة، لأن الإيمان هو التصديق، أي الحكمُ بالصِّدق، وهو إيقاع نسبة الصِّدق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالاختيار. وحقيقةُ الخلاف لفظيٌّ كما هو ظاهر. وقد احتج ابنُ الهمام على البخاريين بكلام الإمام في «الوصية» ، فدلّ على أنها معتمدة عنده.