الصفحة 51 من 141

أقول: لمَّا كان الإيمانُ أمرًا حقيقيًا معلومَ الحدِّ، وهو تصديقُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، والكفرُ على ضِدِّ ذلك، فمَن قامَ به التصديقُ فهو مؤمنٌ حقًا، ومَن قامَ به خِلافُه فهو كافرٌ حقًا، كالقعود والسواد والبياض، لمَّا كانت معاني معلومةَ الحدِّ كان الذاتُ بها قاعدًا أسودَ أبيضَ إذا وُجِدَت بحقيقتها، قال الله تعالى: ?أولئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًَّا? [الأنفال: 4] ، أتى بالجملة الاسميَّة مُبتدِئًا باسم الإشارة مفصِّلًا بضمير الفَصْلِ معرِّفًا بالخبر مؤكِّدًا بالمصدر، وقال: ?أولئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقًَّا? [النساء: 151] ، وكلّ ذلك يدلّ على قيام الإيمان والكفر بهم حقيقةً على ما عُرِفَ في موضعِه.

قوله: (وليس في الإيمانِ شكّ) أي: لا يصحُّ أن يُقال: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ، وهذا لأن هذا الكلامَ إنما يُلحَق فيما يُشكّ ثبوتُه في الحال، أو في معدومٍ على خطر الوجود، لا فيما هو ثابتٌ في الحال قطعًا (1) .

(1) وعبارة الإمام نجم الدين النسفي رحمه الله تعالى في «عقائده» : «ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله» ، وهي أدقّ من عبارة الشارح هنا: «ولا يصح» ، قال العلامة المحقق سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى في «شرح العقائد النسفية» ص131: لأنه إن كان للشك فهو كفرٌ لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، او للتبرُّك بذكر الله تعالى، أو التبرِّي عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركُه لِمَا أنه يوهم الشك، ولهذا قال: «لا ينبغي» دون أن يقول: «لا يجوز» ، لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت